
في ظل وفرة السلع المتوفرة وغياب القدرة الشرائية الفعالة، بدأت المعركة الحقيقية تظهر بوضوح في شوارع مصر، فالمشهد أصبح جليًا للجميع: المتاجر تكتظ بالمنتجات المتنوعة والأسواق تعج بالبضائع، ولكن جيب المواطن يظل خاويًا، هذه هي المعادلة الصعبة التي تواجهها الحكومة الجديدة، ليست أزمة نقص في البضائع المعروضة، بل تحديًا كبيرًا يتمثل في ضعف قدرة المواطنين على الشراء والوصول للسلع الأساسية.
يتصدر سؤال محوري أحاديث بيوت المصريين اليوم، هل تمتلك الحكومة الجديدة القدرة على انتشال المواطن من موجة الغلاء الطاحنة التي تضرب أجزاء واسعة من مصر، وتهدد بخنق الطبقة المتوسطة وسحق الطبقات الفقيرة تمامًا؟
الغلاء: أزمة دخل لا نقص سلع
على الرغم من نجاح الدولة في تأمين السلع وضمان توافرها، مما حال دون حدوث أزمات اختفاء المنتجات التي شهدتها دول أخرى، إلا أن المعضلة الحقيقية تكمن في فجوة خطيرة ومتزايدة بين ارتفاع الأسعار وثبات أو تراجع الدخول، فالمرتبات ثابتة، وفرص الأعمال اليومية تراجعت بشكل ملحوظ، كما أن التضخم يلتهم أي زيادة في الدخل قبل أن يتمكن المواطن من الاستفادة منها.
ما هي النتيجة المباشرة لهذه المعادلة الصعبة؟
- المواطن يشتري كميات أقل بكثير.
- مستوى الاستهلاك ينخفض تدريجيًا.
- قدرة الادخار تتلاشى لتصبح صفرًا.
- يعيش على الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
هذه الظروف الصعبة، تدفع الأزمة للتحول من مجرد تحدٍ اقتصادي إلى قضية اجتماعية أعمق.
الحكومة الجديدة: على محك الاختبار الحقيقي
إن أي حكومة قادمة لن تحظى برفاهية الوقت الكافي للتجارب أو التأجيل، فالناس لم تعد تنتظر الشعارات الرنانة، بل تبحث عن حلول مباشرة وملموسة تلامس حياتهم اليومية بشكل فوري، المطلوب الآن ليس مجرد تصريحات مطمئنة، بل قرارات جريئة وحاسمة تعيد التوازن المنشود للأسواق ولحياة المواطن.
حلول واقعية ومستعجلة لمعالجة الأزمة
زيادة الحد الأدنى للأجور والمعاشات بما يتناسب مع معدلات التضخم: لا يجب أن تكون الزيادة رمزية، بل حقيقية تهدف إلى استعادة القدرة الشرائية المفقودة للمواطن.
تفعيل رقابة صارمة ومكثفة على الأسواق: يتطلب ذلك تفعيل أدوات الرقابة التموينية بقوة وحزم، لضبط هوامش الربح غير المبررة، ومواجهة الاحتكار، ووقف أي محاولات للتلاعب بالأسعار.
توسيع مظلة الدعم النقدي المشروط: يجب زيادة حجم الدعم المخصص لبرامج مثل “تكافل وكرامة”، مع ضمان توجيه الدعم بشكل مباشر وفعال للفئات الأكثر احتياجًا.
خفض مؤقت لبعض الرسوم والضرائب على السلع الأساسية: حتى لو كان هذا الإجراء مرحليًا، فإنه سيمنح المواطن فرصة لالتقاط الأنفاس والتخفيف من الأعباء المباشرة.
دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة: يعتبر خلق دخل مستدام للمواطنين أكثر أهمية وفاعلية على المدى الطويل من مجرد توزيع مساعدات مؤقتة.
ضبط سعر الصرف وتحقيق استقرار السوق: إن أي استقرار اقتصادي حقيقي ينطلق من استقرار قيمة العملة المحلية، فبدون هذا الاستقرار، ستظل الأسعار في حالة قفز مستمر ومتقلب.
المواطن يبحث عن العدالة الاجتماعية، لا المعجزات
المواطن المصري بطبيعته صبور ومتفهم، فقد تحمل لسنوات عجاف وطأة الإصلاحات الاقتصادية القاسية، ووقف ساندًا لدولته في أوقات عصيبة وتحديات كبرى، لكن الصبر له حدود لا يمكن تجاوزها، والكرامة المعيشية تُعد خطًا أحمر لا يجب المساس به بأي شكل من الأشكال.
إن وفرة السلع وحدها لا تكفي أبدًا، فوجود المنتجات بكثرة في الأسواق يصبح بلا قيمة أو معنى إذا كان المواطن عاجزًا تمامًا عن شرائها وتلبية احتياجاته الأساسية.
هل تنجح الحكومة الجديدة في مهمتها؟
الإجابة على هذا السؤال لن تكمن في البيانات الرسمية أو الأرقام المعلنة، بل ستتجلى في سعر كيلو السكر الذي يشتريه المواطن، وفي قيمة فاتورة الكهرباء التي يدفعها، وفي مدى قدرة الأب على شراء احتياجات بيته الأساسية دون اللجوء إلى الاقتراض أو الاستدانة.
تقف الحكومة الجديدة اليوم أمام لحظة فارقة ومصيرية، فإما أن تنجح في إعادة بناء جسور الثقة مع المواطنين من خلال اتخاذ قرارات شجاعة وحاسمة تمس حياتهم بشكل إيجابي ومباشر، وإما أن تترك هذه الفجوة تتسع وتتعمق بين الدولة والمواطن.
إن المعركة الحقيقية ليست سياسية في جوهرها، بل هي معركة مصيرية تهدف إلى استعادة القدرة الشرائية للمواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة، والكرة الآن أصبحت في ملعب صانع القرار، الذي يتوجب عليه تحمل المسؤولية واتخاذ الإجراءات اللازمة، وفقًا لما نقله موقع “أقرأ نيوز 24”.
