«الكونطرا» ليست مجرد ورقة.. إنها جسر عبور بحارة السردين نحو مستقبل آمن ومعترف به.عقود صيد السردين من تهميش الفوضى إلى شرعية الاعتراف كيف ترسم «الكونطرا» ملامح جيل جديد من البحارة

«الكونطرا» ليست مجرد ورقة.. إنها جسر عبور بحارة السردين نحو مستقبل آمن ومعترف به.عقود صيد السردين من تهميش الفوضى إلى شرعية الاعتراف كيف ترسم «الكونطرا» ملامح جيل جديد من البحارة

يشهد قطاع الصيد الساحلي، وتحديدًا صيد السردين، في تاريخ 08 فبراير 2026، منعطفًا حاسمًا مع تصاعد الحديث حول عقود العمل، المعروفة محليًا بـ “الكونطرا”، التي لم تعد مجرد وعود مؤجلة، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يفرض نفسه بقوة على سفن الصيد والبحارة على حد سواء، مما يؤذن بتحول جذري من الفوضى إلى الاعتراف، ويصنع بحار الغد الواثق، وذلك حسب متابعة “البحر أنفو”.

معاناة بحارة السردين في الماضي

لقد شهدت السنوات الماضية معاناة حقيقية للبحار الساحلي، وذلك بسبب نظام “الحساب” غير الواضح، والتماطل المستمر في صرف المستحقات المالية، إضافة إلى الاشتغال في ظروف تفتقر لأي ضمان قانوني أو اجتماعي، حيث كان البحار يعمل شهورًا طويلة في البحر، دون راتب ثابت، ودون أي أفق مهني واضح، وقد يُفاجأ في أي لحظة بـ”الديبير” أو الطرد دون إشعار مسبق أو تبرير، وكأن سنوات جهده وتفانيه لا قيمة لها.

التحول نحو عقود العمل: اعتراف بالمهنية

اليوم، ومع بزوغ فجر عقود العمل، يتجه القطاع نحو تحول هيكلي عميق، قد يُمثل إحدى أبرز المحطات في تاريخ الصيد الساحلي بالمغرب، فالعقد لم يعد ينظر إليه على أنه عبء إضافي، بل تحول إلى آلية فعّالة للاعتراف بالبحار كفاعل مهني كامل الحقوق، وليس مجرد يد عاملة موسمية.

ضمان الاستقرار المالي والأمان المستقبلي

يضمن عقد العمل الجديد أجرًا شهريًا ثابتًا، يتم تحويله مباشرة إلى الحساب البنكي للبحار، مبتعدًا بذلك عن منطق “الباي فالجوا بحال القمارة” الذي يشبه المقامرة أكثر من كونه عملًا مهنيًا مستقرًا، هذا التحول وحده يفتح للبحار آفاقًا واسعة، تشمل إمكانية الولوج إلى القروض البنكية، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، والتخطيط للمستقبل بثقة أكبر.

قفزة نوعية في الدخل السنوي للبحارة

علاوة على ذلك، فإن الجمع بين الأجر الثابت، وتعويض الطوناج، والبريم شارج، يجعل المداخيل السنوية للبحار مرشحة للارتفاع بشكل كبير، منهيًا بذلك منطق الاستغلال المقنع، وهذا ما يظهر جليًا في المقارنة التالية:

المؤشرالنظام السابق (تقديري)النظام الجديد (متوقع)
الدخل السنوي للبحار30,000 – 35,000 درهمأكثر من 80,000 درهم
مكون من تعويض الطوناج (10 دراهم/طن لـ 3000 طن ببوجدور)30,000 درهم (كمكون أساسي في دخل متدنٍ)30,000 درهم (كمكون إضافي مع الأجر القار والبريم شارج لزيادة الدخل الإجمالي)

حماية اجتماعية وضمان للتقاعد

على المستوى الاجتماعي، تُمثل “الكونطرا” الانخراط المنتظم في نظام الضمان الاجتماعي، واحتساب سنوات العمل بشكل واضح ودقيق، مما يضمن للبحار تقاعدًا محترمًا وكريمًا، ويضع حدًا لسنوات الضياع التي عاشها العديد من البحارة، حيث توقفت حياتهم المهنية بسبب مشاكل تتعلق بـ”الكوطا”، وقلة نقاط التأمين، وبقاء مصيرهم معلقًا بين البحر والبر.

تنظيم القطاع وتعزيز الشفافية

لا تقتصر عقود العمل على حماية البحار فحسب، بل تمتد لتشمل تنظيم القطاع بأكمله، فهي تساهم في إنهاء حالة الفوضى، وتحد من ظاهرة الاشتغال في “النوار” أو العمل غير المصرح به، كما تقوض ممارسات “الدكاكة” والتهريب، وتمنع التلاعب في لوائح البحارة، حيث “شي كيتعبر وشي كيدوز على برا”، إنها خطوة جوهرية نحو تحقيق الشفافية والانضباط، وبناء قطاع مهني يحترم معايير العمل اللائق.

مقاومة التغيير ومستقبل العقود المحتوم

صحيح أن هناك من لا يزال يرفض عقود العمل، ويقاوم تطبيقها بدعاوى مختلفة كـ”الخوف” أو “فقدان الامتيازات غير المعلنة”، لكن مسار التاريخ لا يعود إلى الوراء، “الكونطرا” قادمة لا محالة، وذلك لأنها ببساطة تخدم مصلحة البحار، والقطاع، والدولة، والمجهز في آن واحد، مما يجعلها حلاً شاملًا ومستدامًا.

مستقبل صيد السردين: عصر الكرامة المهنية

اليوم، الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى لتحقيق هذا التحول، ولا يتطلب الأمر سوى الإرادة والعزم من جميع الأطراف المعنية، لأن بحار الغد لن يكون بحار الهشاشة والانتظار، بل سيكون بحارًا معترفًا به، وموقعًا على عقد عمل يحميه القانون، ويضمن له قيمة مهنية واضحة، وهنا فقط يمكن القول إن قطاع الصيد الساحلي، صنف السردين، قد دخل بالفعل مرحلة جديدة، مرحلة الكرامة المهنية التي طال انتظارها.