«المأزق الحقيقي ليس في الأجر» الضمان الاجتماعي أزمة عميقة تتجاوز الأرقام وتطرح تساؤلات حول الاستدامة

«المأزق الحقيقي ليس في الأجر» الضمان الاجتماعي أزمة عميقة تتجاوز الأرقام وتطرح تساؤلات حول الاستدامة

* بل في شكل الاقتصاد الأردني … فماهي الخيارات؟

في سياق الاقتصاد الأردني المتغير، يُعد ملف الضمان الاجتماعي من الملفات الاقتصادية بالغة الحساسية، نظراً لتأثيره المباشر على شريحة واسعة من المواطنين وعلى الاستقرار المالي طويل الأمد للمملكة، ومع طرح التعديلات الأخيرة، انحصر النقاش العام في تساؤلات تتعلق برفع نسب الاشتراكات أو تعديل سن التقاعد، خاصة في ظل توقعات تشير إلى ضغوط مالية قد تبدأ بالظهور خلال العقد القادم وتمتد آثارها حتى منتصف القرن.

وفي ظل تحديات اقتصادية قائمة، مثل معدلات البطالة وتفاوت الدخول وارتفاع كلف المعيشة في الأردن، يبدو من الطبيعي أن يتركز الجدل حول آثار مقترح التعديل الجديد على القانون على المشتركين، إلا أن قراءة متأنية للدراسة الاكتوارية الأخيرة تشير إلى أن المسألة أعمق من كونها مجرد تعديل لنسب أو أعمار، إذ تعكس مؤشرات ديموغرافية واقتصادية متشابكة ومعقدة، أبرزها تزايد أعداد المتقاعدين وارتفاع متوسط العمر المتوقع، مقابل تباطؤ نمو قاعدة المشتركين، تماماً كما هو الحال في مشكلة البطالة التي تُعد إحدى القضايا المؤرقة في الأردن، حيث يتزايد عدد الخريجين والباحثين عن العمل مقابل قدرة السوق المحدودة على خلق فرص عمل، لنقف اليوم أمام تفاصيل اقتصادية جديدة بصورة (الضمان الاجتماعي).

من هنا، قد يكون من المفيد إعادة صياغة السؤال المطروح بأسلوب أشمل: ليس فقط كيف نوازن بين الاشتراكات والمنافع في نظام الضمان الاجتماعي، بل كيف نوسع القاعدة المنتجة بما يعزز استدامة النظام دون تحميل الأعباء على الفئة ذاتها من المشتركين.

تمكين المشتركين الحاليين

يجب ألا يقتصر نقاش الإصلاح على خفض المنافع أو رفع سن التقاعد فحسب، بل يجب أن يتسع ليشمل حماية المشترك نفسه من مخاطر المستقبل، وبمعنى آخر، يمكننا طرح سؤال مفاده: لماذا لا ننتقل من نموذج “الموظف الذي يعتمد كلياً على راتب تقاعدي” إلى نموذج “الموظف الذي لديه مصدر دخل إضافي”؟ إن تمكين المشتركين الحاليين لامتلاك مشاريع صغيرة أو أنشطة خدمية مساندة يمكن أن يحقق ثلاث نتائج إيجابية وملموسة:
1. توفير دخل إضافي يحميهم من أي تعديلات مستقبلية في التقاعد، ويزيد من مرونتهم المالية.
2. تحفيز الاقتصاد الداخلي عبر زيادة الإنتاج المحلي، ودعم الحركة التجارية في المملكة.
3. خلق وظائف جديدة تسجل في الضمان الاجتماعي وتوسع القاعدة التمويلية للنظام.

المطلوب هنا ليس تشجيع العشوائية، بل تصميم برامج تمويل ميسّرة، بفوائد منخفضة وفترات سماح حقيقية، تستهدف قطاعات ذات طلب فعلي في السوق الأردني، مع ربطها بالتدريب والاحتضان والمتابعة المستمرة، وهذا لا يساهم فقط في استيعاب الخطوة التصحيحية، بل يدفع نحو نمط تفكير جديد يتمثل في استكشاف الفرص ما بعد الوظيفة وما بعد التقاعد، وكيفية عدم الاعتماد على الراتب فقط. فإذا نجحت الحكومة في زيادة عدد المشتركين المنتجين بنسبة تتراوح بين 10 و15% خلال عشر سنوات، سيصبح صندوق الضمان أكثر استقراراً وقوة. بمعنى أن كل ألف مشترك جديد يساهمون بنحو 1.2 مليون دينار أردني سنوياً في إيرادات الضمان، وهذا يؤكد أن الإصلاح لا يقتصر على حسابات الاكتواريين، بل يمتد إلى تمكين الأفراد.

زيادة عدد المشتركين… لا زيادة نسبهم

جوهر أزمة الضمان الاجتماعي يكمن في أن عدد الدافعين لا ينمو بالقدر الكافي لمواجهة التحديات الديموغرافية والاقتصادية، إذاً، الحل المنطقي يكمن في زيادة عدد الدافعين للنظام. فكيف يمكن للحكومة الأردنية تحقيق ذلك؟ يمكن أن يأتي هذا من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بشروط واقعية، وتخفيف التعقيد الإداري أمام رواد الأعمال، والسماح بإطلاق حاضنات أعمال حقيقية مرتبطة بالتمويل والتشغيل في عدة مؤسسات مهمة مثل مؤسسة التدريب المهني، الجامعات والكليات، مدارس التدريب المهني، والمؤسسات الكبرى، بالإضافة إلى ضرورة ربط أي دعم حكومي بتسجيل العاملين في الضمان، مما سيزيد من عدد المشتركين وعجلة الاقتصاد على حد سواء، وينعكس ذلك إيجاباً على عدة قطاعات ويرفع القوة الشرائية، مما ينعش الاقتصاد بشكل متوازن. ووفق تقديرات ميدانية، يمكن لمائة مشروع صغير ناجح أن يخلق ما بين خمسين إلى مائة وظيفة جديدة. إذن، إذا نجحنا خلال خمس عشرة سنة في رفع نسبة المشتركين المنتجين، فسنكون قد عالجنا جذور المشكلة، لا أعراضها فحسب.

الاستثمار الذكي… لا المغامرة

صحيح أن الاستثمار وحده لا يحل الخلل الديموغرافي بشكل كامل، لكنه يُعد عنصراً مهماً في التخفيف من الضغط على صندوق الضمان الاجتماعي، لذلك، سنكون أمام عدة خيارات استثمارية موسعة، منها: التنويع الجغرافي في أسواق مستقرة، وتحقيق عوائد معتدلة ومستدامة تتراوح بين 5 إلى 6%، بالإضافة إلى عدم تحويل أموال التقاعد إلى أدوات مضاربة عالية المخاطر. على سبيل المثال، يمكن الاستثمار في أسواق عالمية مستقرة، أو في قطاعات واعدة كالطاقة الشمسية، فالهدف ليس تحقيق أعلى ربح ممكن بأي ثمن، بل ضمان استقرار طويل الأمد لصندوق الضمان.

بالمحصلة، إصلاح الضمان الاجتماعي في الأردن لا يبدأ من نسب الاقتطاع، بل من نسب التشغيل وخلق فرص العمل، لذلك، المعادلة ليست: كيف نقتطع أكثر؟ بل، كيف ننتج أكثر؟ بمعنى أنه إذا تعاملنا مع الأزمة كفرصة لإعادة تحريك الاقتصاد، وتمكين المشتركين، وتوسيع قاعدة المنتجين، يمكن أن يتحول ملف الضمان من عبء سياسي إلى مشروع وطني شامل لإعادة بناء الثقة والاستدامة الاقتصادية. الضمان ليس صندوق أرقام فقط، هو مرآة لصحة الاقتصاد كله، لذلك يمكن أن ينجح التدرج الذي قدمته الحكومة اليوم، ولربما توقفت عند حد معين من التدرج إذا ما ارتفع عدد المشتركين وارتفع نمو استثمار الضمان.

* هذا المقال لا يشكل رأيًا شخصيًا بالقانون، إنما هو نموذج تحليلي للقانون وأبعاده والخيارات الممكنة.