
تعز- أسامة كٌربش
المزارع عيسى سلطان، من منطقة الضباب غربي تعز، يعمل في زراعة أنواع متعددة من الخضروات مثل الفجل، والكراث، والطماطم، والخس، والبقدونس، ويقوم ببيع محاصيله إلى أسواق الخضروات في مدينة تعز.
يقول سلطان: “إن مزارعي منطقته يعتمدون بشكل كامل على مياه الآبار النظيفة المتوفرة في المنطقة”، ويضيف: “المزارع تُروى بمياهٍ جوفية، مع استخدام أسمدةٍ ومبيدات مصرح بها”.
دورة الزراعة ونقل المحاصيل
أشار إلى أن دورة الزراعة تمتد من الحرث والبذر وحتى قطف المحصول، قبل نقله إلى أسواق مدينة تعز، مثل سوق الجملة وسوق “بير باشا”.
وأضاف سلطان أن بعض المزارعين في مناطق أخرى يستخدمون مياه الصرف الصحي (المياه العادمة) بدون معالجة بسبب شح المياه.
نتائج الفحوصات وأثرها
حديث المزارع سلطان حول مصدر مياه ري المحاصيل في منطقة الضباب يأتي في وقت حساس للمزارعين، فقد أظهرت نتائج فحص لعينات من محاصيل الخضروات أجراه المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة في تعز خلال فبراير الجاري أن بعض المحاصيل القادمة من مناطق عديدة مصابة بالبكتيريا المسببة لمرض الكوليرا، المعروفة علميًا باسم “ضامات” الكوليرا.
العينات التي جاءت نتائج فحصها موجبة كانت قادمة من: صنعاء، ولحج، رغم أن الفحوصات شملت محاصيل أخرى من تهامة، إب، وتعز.
وأجريت فحوصات هذه العينات بطلب من مكتب الأشغال العامة في تعز، بعد طلب النيابة العامة من المكتب بفحص عينات من الخضروات والفواكه، بناءً على طلب مكتوب من جمعية حماية المستهلك في تعز، لفحص عينات من محاصيل الخضروات المشتبه في ريّها بمياه ملوثة.
شملت العينات الخضروات المصابة: البقدونس، والكوبش، والجزر، والفجل الأحمر، وتستهلك هذه الخضروات بشكل يومي في السلطة الخضراء على المائدة أو في تحضير أطعمة أخرى، وقد تقدمت جمعية حماية المستهلك بهذا الطلب عقب انتشار فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي توثق ري المحاصيل بمياه ملوثة.
مذكرة صادرة عن المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة في تعز: شملت العينات الخضار المصابة: البقدونس، والكوبش، والجزر، والفجل الأحمر، وتستهلك هذه الخضروات بشكل يومي في السلطة الخضراء على المائدة أو في تحضير أطعمة أخرى.
تلوث المياه وأبعاده
هذا يشير إلى تلوث بيئي خطير ينتقل عبر مياه الري الملوثة أو الصرف الصحي، مما يجعل الخضروات مصدرًا محتملًا للعدوى عند الاستهلاك النيء، بحسب دراسة بحثية نشرت في أكتوبر 2016.
وكانت اليمن قد شهدت في 2017 أكبر تفشي لمرض الكوليرا، بلغت حينها حالات الاشتباه نحو نصف مليون وقرابة ألفي حالة وفاة، بحسب الأمم المتحدة.
المزارع سلطان، في حديثه مع “المشاهد”، شدد على أن المزارعين في وادي الضباب، غرب تعز، يتوقفون عن الزراعة في مواسم الجفاف بدلاً من استخدام مياه ملوثة، لافتًا إلى أن الأهالي والمزارعين أنفسهم يستهلكون هذه المنتجات، مما يجعل، حد تعبيره، من غير المنطقي تعريض أنفسهم وأسرهم للخطر.
إجراءات للتعامل مع التلوث
وفي أول إجراء عملي عقب نتائج الفحص، أعلنت وكيل محافظة تعز للشؤون الصحية، الدكتورة إيلان عبدالحق، أنه سيتم اتخاذ إجراءات من بينها حظر دخول أي شحنات يثبت تلوثها أو إخضاعها لعمليات تعقيم مباشرة في المنفذ، ونقل موقع “يمن مونتر” الأربعاء الماضي، عن عبد الحق أنه يجري تجهيز فرقة خاصة للتعقيم في المنفذ الشرقي للمدينة، إلى جانب توجيه مكتب الصحة بالمحافظة بتشكيل فريق رش بمادة الكلور لتعقيم الخضروات في الأسواق ونقاط الدخول، ضمن جهود الحد من انتشار العدوى وتعزيز السلامة الصحية.
وكيل محافظة تعز للشؤون الصحية، إيلان عبدبالحق: يجري تجهيز فرقة خاصة للتعقيم في المنفذ الشرقي للمدينة، إلى جانب توجيه مكتب الصحة بالمحافظة بتشكيل فريق رش بمادة الكلور لتعقيم الخضروات في الأسواق ونقاط الدخول، ضمن جهود الحد من انتشار العدوى وتعزيز السلامة الصحية.”
المحاصيل في أبين
من جانبه، قال مستشار محافظة أبين للشؤون الزراعية حيدر دحة، في حديثه لـ”المشاهد”: “إن استخدام مياه الصرف الصحي في سقي المنتجات الزراعية غير معمول به إطلاقًا في أبين، ولم يتم ضبط حالات كهذه”.
مستشار محافظة أبين للشؤون الزراعية حيدر دحة: “إن استخدام مياه الصرف الصحي في سقي المنتجات الزراعية غير معمول به إطلاقًا في أبين، ولم يتم ضبط حالات كهذه”.
ويعد تطبيق إجراءات السلامة الغذائية على المحاصيل الزراعية في اليمن ضعيف بشكل عام بسبب الصراع، ونقص المياه النظيفة، واستخدام مياه صرف غير معالجة للري، مما يزيد من تلوثها بجراثيم تسبب الكوليرا، بحسب “مكتب الأمم المتحدة في اليمن“.
الري بمياه ملوثة جريمة قانونية
يقول رئيس جمعية حماية المستهلك في تعز، المحامي عمر الحميري، إن طلب الجمعية بفحص المحاصيل استند إلى “عدة قوانين ولوائح نافذة”، معتبرًا أن ريّ المحاصيل بمياه المجاري “جريمة يعاقب عليها القانون اليمني”،
تنص المادة رقم (23) من قانون رقم (41) لسنة (2006) بشأن ضوابط التعامل مع المياه المستخدمة “أن تكون مطابقة للمعايير والمواصفات المعدة من الهيئة والمقرة من مجلس الوزراء، والمياه المستعملة في سقي الحيوانات والري والأغراض السياحية الخدمية والاستشفاء، والمياه العادمة المعالجة المستخدمة للري”.
يقول الحميري: “إن الفعل -من منظور قانون حماية البيئة- يُعد تلوثًا بيئيًا وصحيًا جسيمًا يستوجب إزالة الضرر وفرض عقوبات، قد تشمل الحبس والغرامة، وتتضاعف في حال التكرار”، ومن زاوية قانون حماية المستهلك، اعتبر أن تسويق منتجات ملوثة يُشكل غشًا تجاريًا واعتداءً على حق المستهلك في الحصول على غذاء آمن، ما يخول الجهات المختصة مصادرة وإتلاف المحاصيل المخالفة وإغلاق المزارع المتسببة.
وأشار إلى أن قانون الصحة العامة يمنح السلطات صلاحيات التدخل العاجل عند ثبوت وجود ملوثات بيولوجية، وأن النتائج المخبرية الأخيرة -التي أثبتت وجود بكتيريا الكوليرا في بعض العينات- تمثل، حد قوله، مبررًا قانونيًا لاتخاذ إجراءات احترازية مشددة وفحص دوري للمنتجات الزراعية.
عمر الحميري، رئيس جمعية حماية المستهلك في تعز: قانون الصحة العامة يمنح السلطات صلاحيات التدخل العاجل عند ثبوت وجود ملوثات بيولوجية، وأن النتائج المخبرية الأخيرة -التي أثبتت وجود بكتيريا الكوليرا في بعض العينات- تمثل مبررًا قانونيًا لاتخاذ إجراءات احترازية مشددة وفحص دوري للمنتجات الزراعية.”
وأوضح أن آلية التعامل القانوني مع مثل هذه الحالات تبدأ بالضبط الميداني وأخذ العينات، مرورًا بالإثبات الفني عبر المختبر المركزي، وصولًا إلى إحالة المخالفين إلى نيابة الصناعة والتجارة لتحريك الدعوى الجزائية، مع إمكانية إيقاف التوريد من المناطق الموبوءة كإجراء وقائي لحماية الصحة العامة.
ضعف قدرات معالجة المياه العادمة
في ردٍ من إدارة محطة معالجة المياه العادمة في صنعاء، نشرته “صحيفة الثورة-نسخة جماعة الحوثي” في أبريل 2021، فإن المحطة توقفت في بعض الأحيان أو تدهورت قدراتها بفعل استهداف البنية التحتية للمياه من قبل التحالف الذي تقوده السعودية، بما في ذلك محطة المعالجة في شمال صنعاء، وقالت إدارة المحطة: “إن هذا قد فتح الباب أمام بعض المزارعين الجشعين في استخدام مياه ملوثة مما يُفاقم المشكلة”.
وقالت إدارة المحطة إن القدرة الاستيعابية للمحطة عند إنشائها عام 2000 كانت لتغطية 600 ألف شخص حين كان عدد سكان صنعاء 450 ألف، وقد أصبح عدد سكان صنعاء حاليًا أربعة ملايين نسمة.
ختامًا، فإن حل مشكلة ري المحاصيل الزراعية الغذائية بالمياه العادمة يتطلب حلولًا متكاملة تجمع بين إنفاذ القانون، وتأهيل محطات معالجة المياه، وتوسعة قدراتها التشغيلية، ونشر فرق فنية لفحص المنتجات في منافذ المدن.
