المدينة المنورة: هكذا تتجلى العادات الاجتماعية في استعدادات رمضان

المدينة المنورة: هكذا تتجلى العادات الاجتماعية في استعدادات رمضان

تُجسّد الاستعدادات لشهر رمضان المبارك في المدينة المنورة أسمى صور العادات الاجتماعية المتأصلة، حيث يحرص الأهالي على تهيئة منازلهم وتنظيفها مبكرًا، واقتناء المواد الغذائية الأساسية، وتزيين البيوت والشوارع بالفوانيس والأضواء البهيجة، كما تتجلى أروع معاني التكافل الاجتماعي بتبادل الأطباق الشهية، والتحضير لإفطار الصائمين، بالإضافة إلى زيادة الإقبال على المساجد، ليعكس هذا المشهد الروحاني والاجتماعي عمق الارتباط الروحي ومكانة الشهر الفضيل في قلوب أهل طيبة الطيبة.

ورغم التطورات التي طرأت على مظاهر رمضان وعادات أهل المدينة المنورة، سواء في الاستعدادات أو اللباس أو الزينة، إلا أن الروح الأصيلة للشهر الفضيل لا تزال ثابتة، مبنية على قيم الإيمان، والتكافل، والمحبة بين أبناء المدينة.

زينة بسيطة ودافئة

وقد أشارت الباحثة في التاريخ، مريم محمد الحامد، إلى أن زينة رمضان في المدينة المنورة كانت قديمًا تتسم بالبساطة والدفء والروحانية، خالية من المبالغة ونابعة من القلب، حيث كانت الفوانيس والمصابيح، التي عُرفت بـ”الأتاريك” قبل دخول الكهرباء، تُضيء الأزقة والحواري والبيوت، وكان بعض الأهالي يضعون فانوسًا صغيرًا عند مدخل منازلهم ابتهاجًا بقدوم الشهر الفضيل، أما في العصر الحديث، فقد انتشرت المصابيح الملونة البسيطة التي تُعلّق بين البيوت، ولا تزال الأحياء تتزين بها، مع تركيز الاهتمام الأكبر على تزيين وإنارة المسجد النبوي الشريف، حيث تتلألأ الثريات والمصابيح الداخلية بشكل بهي ومُلفت، خصوصًا في ليالي العشر الأواخر المباركة.

وأوضحت مريم الحامد الدور المحوري للمرأة في إضفاء الأجواء الرمضانية، لافتة إلى أن الزينة قديمًا لم تكن تجارية أو جاهزة كما هي عليه اليوم، بل كانت معظمها يدوية الصنع وبسيطة، من إبداع أهل البيت، وتتسم بالحدودية والطابع العفوي، أما في الوقت الحاضر، فتقوم المرأة بتزيين المنزل بكل ما يضيف لمسة روحانية، من تهيئة أماكن خاصة للصلاة وتوفير السبح وكتيبات الأدعية، وعمل مفكرة رمضانية للأبناء لغرس قيمة استغلال الأوقات الفضيلة، بالإضافة إلى توزيع المهام على أفراد الأسرة، وتوفير كافة مستلزمات السفرة الرمضانية من أوانٍ جديدة وأقمشة ملونة تزيد من بهجة أرجاء المنزل.

تحضير سلال رمضانية

ومن صور الاستعداد لرمضان، تحدثت الحامد عن روح التكاتف التي يتجلى بها أهل المدينة عبر تحضير “سلال رمضانية”، وهي عبارة عن سلال تحتوي على مواد غذائية تُقدم كهدايا للأهل والجيران والأصدقاء، أو تُستخدم في موائد إفطار الصائمين بالمسجد النبوي، أو تُوزع سراً، أو عبر الجمعيات الخيرية على الأسر المتعففة والمحتاجة، لتجسد بذلك قيم العطاء والتعاضد.

كما بينت أن من العادات الراسخة التي يتمسك بها أهل المدينة، رغم التطورات الحياتية وازدياد أعداد السكان والزوار، هي توفير مستلزمات موائد الإفطار الجماعية الكبيرة، سواء داخل المسجد النبوي الشريف وساحاته الفسيحة، أو في أحياء وحارات المدينة، مما يؤكد بجلاء على روح المودة والألفة التي لطالما تميز بها أهل هذه المدينة المباركة.

وأشارت إلى أن هناك اهتمامًا متزايدًا باللباس ابتهاجًا بقدوم رمضان، حيث يشهد السوق تنوعًا كبيرًا في الأقمشة والتصاميم، مع توافر ملابس رمضانية خاصة وجلابيات مزخرفة تضفي لمسة احتفالية، بالإضافة إلى اهتمام ملحوظ بإطلالات العشر الأواخر من الشهر الفضيل وليلة العيد المبارك.

وعلى الرغم من هذه التغيرات التي طرأت على المظاهر، إلا أن روح رمضان تظل ساطعة وجميلة في المدينة المنورة، ويظل أهلها حريصين على مراعاة مكانتها الدينية، والتمسك بعاداتهم الاجتماعية الأصيلة جيلًا بعد جيل، ليظل رمضان فيها موسمًا فريدًا للعبادة، والألفة، والتراحم بين الناس.