النظام الجزائري يواجه أزمة شلل الإضراب العام وسقوط سياساته في ظل القمع واتهامات المؤامرة

النظام الجزائري يواجه أزمة شلل الإضراب العام وسقوط سياساته في ظل القمع واتهامات المؤامرة

استيقظت الجزائر، اليوم الخميس 8 يناير 2026، على وقع شلل شبه تام في الحركة المرورية والتجارية، نتيجة الاستجابة الواسعة للإضراب العام الذي دعا إليه نشطاء ومهنيون، مما وضع النظام الحاكم في مواجهة مباشرة مع عجز خياراته الاقتصادية والاجتماعية، إذ لم يجد لتبرير ذلك سوى »أسطوانة المؤامرة الخارجية« المعتادة.

شلل ميداني وتعتيم رسمي

على عكس الرواية التي حاول الإعلام الموالي للنظام ترويجها، فإن الساعات الأولى من صباح الخميس كشفت عن واقع مغاير، حيث أدى الإضراب إلى شل حركة النقل وتعطيل مصالح الملايين، وانضم التجار في ولايات عدة إلى مهنيي النقل، مغلقين محلاتهم احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية، في الوقت الذي زعم فيه »الذباب الإلكتروني« وأذرع النظام أن الإضراب مجرد »إشاعة«، ورغم محاولات التعتيم، أفادت مصادر إعلامية أجنبية وتقارير ميدانية بأن نسبة الاستجابة تجاوزت 90 في المئة في ولايات استراتيجية مثل العاصمة، سطيف، وهران، بجاية، وتيزي وزو، كما وثق ناشطون عبر مقاطع فيديو شوارع مدن كبرى وهي خالية تماماً، مما ينفي مزاعم السلطة بعودة العمل إلى طبيعته.

شماعة «الخارج» للهروب من الأزمات

في مواجهة عجزها عن إيجاد حلول واقعية، لجأت السلطات الجزائرية إلى سياسة تقليدية، تعلّق الفشل على شماعة »الجهات الخارجية«، إذ أصدرت الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال بياناً اتهمت فيه حسابات مسيّرة من المغرب وفرنسا وبريطانيا وكندا بنشر منشورات »تخريبية« تهدف إلى »زعزعة استقرار البلاد«، هذا الهروب إلى الأمام يتجاهل الحقيقة بأن الاحتجاجات منشأها من الداخل، وتحديداً من فئات مهنية تأثرت بشكل مباشر من الزيادات المفاجئة في أسعار الوقود وقانون المرور الجديد الذي يفرض عقوبات سجنية وغرامات مالية صارمة، وصفها المحتجون بأنها وسيلة »لجباية الأموال« لسد العجز المالي الناتج عن سوء الإدارة.

مقاربة أمنية وقمع للحقوق

في سياق متصل، كثفت السلطات من حملة الاعتقالات في أوساط المحتجين، وهو سلوك معتاد من نظام يتقن العنف والتخويف بدلاً من الاستماع والحوار، وقد أدانت منظمة »شعاع« لحقوق الإنسان ما وصفته بـ»سلسلة الملاحقات القضائية التعسفية التي طالت سائقي الشاحنات ومواطنين عبّروا سلمياً عن رفضهم لقانون المرور الجديد«، وأكدت المنظمة المقيمة في لندن أن لجوء السلطة إلى الملاحقات القضائية التعسفية يمثل تقويضاً للحقوق الدستورية المكفولة في التعبير والاحتجاج السلمي، وحذرت »شعاع« من خطورة هذه »المقاربة الأمنية« في التعامل مع مطالب اجتماعية ومهنية مشروعة، مؤكدة أن هذه السياسة تعزز الاحتقان والتوتر، وطالبت بالإفراج الفوري عن الموقوفين وفتح حوار جدي لمراجعة القوانين التي تمس مصادر رزق الجزائريين.

اقتصاد رهين المحروقات ووعود «وهمية»

تعكس هذه الانتفاضة المهنية عمق المأزق الذي آلت إليه السياسات الاقتصادية للنظام العسكري الحاكم، حيث يعيش المواطن الجزائري في دوامة من التناقضات، ففي بلد يُصنَّف ضمن كبار منتجي الطاقة، يجد السكان أنفسهم غارقين في أزمات نقل خانقة وندرة حادة في المستلزمات الأساسية، تحت وطأة تضخم يلتهم القدرة الشرائية، ويرى متابعون أن لجوء السلطة لاستراتيجية المنح والزيادات »الوهمية« في الأجور ليس سوى محاولة »ترقيعية« لامتصاص الغضب الشعبي، إذ سرعان ما تتبخر هذه الزيادات مع الرفع المتواصل لأسعار الوقود والمواد المدعومة، في ظل غياب قاعدة إنتاجية حقيقية خارج قطاع المحروقات، إن مشهد المواطن الجزائري وهو يكابد في طوابير الانتظار في بلد يعوم على بحر من النفط، يختزل فشل نظام يهدر المليارات في نفقات تسييرية لا تخلق ثروة مستدامة، ويصر على مواجهة المطالب الاجتماعية العادلة بتهم »التخوين« و»المؤامرة«، بدلاً من تقديم حلول واقعية تحافظ على كرامة الشعب وتخرجه من نفق الأزمات المفتعلة.

تحرير من طرف ميلود الشلح

في 08/01/2026 على الساعة 20:15