النظام الجزائري يوقف المصادقة على مقترح تجريم الاستعمار الفرنسي ويُدخل القرار في مرحلة المراجعة

النظام الجزائري يوقف المصادقة على مقترح تجريم الاستعمار الفرنسي ويُدخل القرار في مرحلة المراجعة

كشفت مناقشات مجلس الأمة الجزائري، خلال جلسته الأخيرة المخصصة لدراسة مقترح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، عن مؤشرات واضحة على تردد وتحفظ سياسي عميق إزاء المضي قدمًا في المصادقة النهائية على نص تشريعي بصيغته الحالية، في ظل التخوف من تداعياته الدبلوماسية المباشرة على العلاقات المتوترة أصلًا مع باريس.

تحفّظ سياسي حول بنود القانون

ورغم الإجماع الظاهري الذي رافق إحالة المشروع من المجلس الشعبي، أظهرت مداولات الغرفة العليا للبرلمان أن النظام الجزائري يسعى إلى ضبط إيقاع هذا القانون وتفريغه من أبعاده الإلزامية التي قد تُحرجه خارجيا، وقد تحفّظت لجنة الدفاع بمجلس الأمة الجزائري، في تقريرها التمهيدي، على البنود المتعلقة بالتعويض والاعتذار، معتبرة أنها لا تنسجم مع ما تصفه بـ”التوجّه الوطني” القائم على مطالبة فرنسا بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية دون الانزلاق إلى مطالب قانونية أو مالية قد تفتح أبواب مواجهة مباشرة مع الدولة الفرنسية، وهو التحفظ الذي يؤكد أن القانون سُخّر كأداة خطابية موجهة للاستهلاك الداخلي، لا التزامًا تشريعيًا قد يفرض على النظام الجزائري تبعات دبلوماسية يصعب التحكم فيها.

قلق من التحول من السياسة الرمزية إلى إلزامية قانونية

وخلافًا للخطاب الرسمي الذي يقدم القانون باعتباره امتدادًا لمطلب سيادي ثابت، أظهرت النقاشات داخل مجلس الأمة الجزائري وجود قلق مؤسساتي من نقل ملف الذاكرة من حقل السياسة الرمزية إلى حقل الإلزام القانوني، حيث طُرحت تساؤلات حول مدى نضج النص من الناحية القانونية، وانسجامه مع قواعد القانون الدولي الجنائي، إضافة إلى التخوف من التأويلات المحتملة لبعض مواده، خاصة تلك التي تتصل بتجريم أفعال تاريخية قد تُستعمل لاحقًا كورقة ضغط قانونية أو سياسية في المحافل الدولية.

ردود الفعل الفرنسية والتحفظات الجزائرية

ويبرز هذا الحذر أكثر في التحفظ الصريح على إدراج مفاهيم الاعتذار والتعويض، وهي النقطة التي شكلت جوهر رد الفعل الفرنسي الغاضب، إذ رأت باريس في المشروع، رغم التعديلات المقترحة، مسارًا تصعيديًا ينقل الخلاف التاريخي إلى مستوى تشريعي ملزم، حتى وإن كان رمزيا، وهو ما دفع الخارجية الفرنسية إلى وصف الخطوة بالمبادرة العدائية التي تهدد ما تبقى من قنوات الحوار، خاصة في ملفات حساسة كالأمن والهجرة والتعاون الإقليمي.

مراجعة بنود القانون لتخفيف حدة التوتر

وضمن هذا السياق، تبدو مراجعة مجلس الأمة الجزائري لبنود القانون محاولة واضحة لتخفيف حدته الخارجية، فالنظام الجزائري، الذي يدرك هشاشة علاقته بباريس بعد أشهر من التوتر، لا يبدو مستعدًا لتحمّل كلفة قطيعة دبلوماسية شاملة، خصوصا في ظل تعقيدات إقليمية متزايدة، وملفات أمنية لا تزال تتطلب حدًا أدنى من التنسيق مع الشريك الفرنسي، رغم البرود السياسي وفي مناخ يتسم بعزلة جزائرية إقليميا ودوليا.

تداعيات قانون تجريم الاستعمار على العلاقات الثنائية

وبرز في وقت سابق رد فعل فرنسي قوي إزاء القانون الذي صادق عليه البرلمان الجزائري بالإجماع، والقاضي بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر والمطالبة باعتذار رسمي وتعويضات عن الحقبة الاستعمارية، وهي خطوة اعتبرتها باريس “مبادرة عدائية” من شأنها تقويض الجهود الرامية إلى إعادة بناء جسور الحوار بين البلدين، في وقت كانت فيه مؤشرات خجولة توحي بإمكانية انفراج سياسي نسبي بعد أشهر من التوتر.

مخاوف فرنسية من تصعيد جزائري في ملف الذاكرة

الموقف الفرنسي، الذي عبرت عنه وزارة الخارجية في وقت سابق، لم يأت فقط بصيغة الرفض، بل حمل في طياته قلقًا واضحًا من التحول الذي يمثله النص الجزائري، سواء من حيث طابعه التشريعي أو رمزيته السياسية، فباريس رأت في القانون تصعيدًا غير منسجم مع ما تصفه بـ”العمل الهادئ” على ملف الذاكرة، وهو الملف الذي ظل لعقود إحدى أعقد العقد في العلاقة الثنائية، رغم محاولات متقطعة لتطويقه بإجراءات رمزية أو مبادرات تاريخية مشتركة.

السياق الأوسع للأزمة الدبلوماسية

ويأتي هذا التطور في وقت كانت فيه بعض الإشارات قد برزت خلال الأشهر الماضية، موحية بإمكانية تهدئة تدريجية بين باريس والجزائر، سواء عبر قنوات غير معلنة أو من خلال تصريحات أقل حدة من الطرفين، غير أن القانون أعاد العلاقة إلى مربع التوتر، وكرّس من جديد مركزية ملف الذاكرة باعتباره عامل تعطيل بنيوي لأي تطبيع مستدام بين الجزائر وفرنسا.

أبعاد أزمة العلاقات الجزائرية الفرنسية

ولا ينفصل هذا التوتر الجديد عن السياق الأوسع للأزمة الدبلوماسية بين البلدين، والتي تفجرت أساسا عقب اعتراف فرنسا، سنة 2024، بمخطط الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، وهو القرار الذي اعتبرته الجزائر مساسًا مباشرا بمواقفها الإقليمية وأحد أسباب التدهور الحاد في الثقة السياسية مع باريس، كما ساهمت قضايا أخرى في تعقيد المشهد، من بينها اعتقال الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال قبل الإفراج عنه لاحقًا، واستمرار اعتقال الصحفي الفرنسي كريستوف غيليز، ما أضفى بعدًا حقوقيًا وإعلاميًا إضافيًا على الخلاف القائم والذي يبدو أنه يتجه مرة أخرى نحو مزيد من التعقيد.