
لقد انصرف الناس عن الصحف، وهذا الأمر لا يرتبط بكونها ورقية أم إلكترونية، فالإصدار الإلكتروني ينشر المحتوى ذاته الذي يقدمه الورقي ولا يحمل في ذاته ميزة إضافية، الجميع يرى أن تراجع نصيب الإعلام من الحرية هو ما جعل الجمهور يعاف وسائل الإعلام ويتجه نحو منصات التواصل الاجتماعي.
هذا الطرح صحيح بلا شك، ومع ذلك، توجد أسباب أخرى تستدعي التفكير، فعلى سبيل المثال، لم تكن الصحافة تتمتع بحرية واسعة في زمن عبد الناصر، وكانت الإذاعة والتلفزيون أداتين أساسيتين في قبضة الحكم الحديدية، ورغم ذلك، كان الناس يقبلون على شراء الجرائد ويتابعون برامج الإذاعة والتلفزيون باهتمام، فما الذي يجعل الجمهور اليوم ينظر بغضب واستياء نحو الإعلام المرئي والمقروء؟ السبب يكمن في أن صحف عبد الناصر، التي كانت تخضع لإشراف ورقابة صارمة ومتابعة دقيقة لكل موادها، لم تكن تستفز الناس أو تغيظهم، لم تكن تنشر على نطاق واسع كل ما هو سخيف من أخبار ترفع الضغط وتثير الكيد في نفوس الجمهور، وكأنها تتعمد إغاظتهم.
فخ أخبار أسعار الدولار: تفاصيل تثير الاستياء
دعونا نأخذ مثالًا على ذلك، ما المعنى الحقيقي لنشر أسعار الدولار يوميًا بتفاخر وتنافس بين الجرائد، وكأنها حققت إنجازًا عظيمًا؟ وما معنى مانشيتات مثل: “هبوط الدولار الأخضر في تعاملات اليوم؟”، التي تُنشر بالبنط العريض وكأنها تحمل دلالة عظيمة، ماذا يهم المواطن العاجز عن تلبية متطلبات بيته إذا كان الدولار الذي وصل إلى 48 جنيهًا قد أصبح 47.98 قرشًا؟ الصحف تنشر هذا الهراء وكأنه خبر بالغ الأهمية يشغل الجماهير التي تتلهف لمعرفة ما إذا كان الدولار سينخفض بقرشين أم ثلاثة قروش.
إن الدولار، أيها السادة، كان بسعر سبعة جنيهات، ثم قفز ثلاث قفزات جنونية حطمت حياة الناس، كانت آخر قفزة من عشرين جنيهًا إلى خمسين جنيهًا دفعة واحدة، فما الغرض من التلاعب بمشاعر الناس من خلال المانشيتات الصاخبة إذا كان التغير كله يدور بين 48 وخمسين جنيهًا؟ هذا يعني أنه في جميع الأحوال، يظل السعر في المدى الذي يبقي الناس فقراء ومهانين وأذلاء، لو كان لدى الصحف خبر يفيد بهبوط الدولار إلى عشرين جنيهًا مرة واحدة، فهذا هو الخبر الذي يستحق النشر والاحتفاء به، فكما هبط الخبر العكسي على رؤوسنا كالمطرقة، فإن عكسه يمكن أن يكون بلسمًا يداوي جراح الناس، أما إذا كان هذا غير ممكن، فلا داعي لإغاظة الناس بأخبار زائفة عن أسعار العملة، لأن الدولار بعد أن بلغ ثمنه خمسة آلاف قرش لن يتغير حاله إذا فقد قرشين أو خمسة أو حتى عشرة قروش، وهذا في كل الأحوال لا يُعد خبرًا يستحق أن يُنشر باللون الأحمر!
لتبسيط فهم تقلبات سعر الدولار وتأثيرها، يمكننا مقارنة الفروقات كما يلي:
| الوضع/الفترة | سعر الدولار (تقريبي) | التأثير على المواطن |
|---|---|---|
| سعر سابق | 7 جنيهات | مستوى مستقر نسبيًا |
| القفزة الجنونية الأخيرة | من 20 إلى 50 جنيهًا | تحطيم واسع النطاق لحياة الناس |
| التقلب اليومي (المنشور) | من 48 إلى 47.98 جنيهًا | لا معنى له ولا يغير من واقع الفقر والإهانة |
| الخبر الجدير بالنشر (المأمول) | هبوط إلى 20 جنيهًا | يمكن أن يكون بلسمًا يداوي الجراح |
أخبار لا تهم: حين يصبح التافه مهماً والأساسي هامشياً
هذا المثال مجرد لمحة عما يغيظ الناس وينفرها من الصحف، ولن أتطرق إلى أخبار حمو بيكا وكزبرة ونمبر وان وغيرهم من الذين ما كانوا ليظهروا لولا الانهيار الذي أصاب جوانب حياتنا، فالجمهور لا يتضايق كثيرًا من أخبار هؤلاء، وكل منهم يدلي بتصريح صحفي وكأنه سعد زغلول أو رياض السنباطي، فالناس قد اعتادوا على هذا النوع من الأخبار التي لا تؤذي إلا العقلاء وما أقلهم، أما أخبار الدولار وانهياره، فهي التي تملأ قلوب الناس بالحنق والضيق والحسرة، وتترك في نفوسهم أثرًا عميقًا من اليأس.
