تأثير ‘ví’ الرقمي: الصدى الواسع الذي يعبر حدود الإنترنت ويتردد في الفضاء العالمي

تأثير ‘ví’ الرقمي: الصدى الواسع الذي يعبر حدود الإنترنت ويتردد في الفضاء العالمي

تُعتبر ها تينه أرضًا غنية بتراثها الثقافي العريق، حيث تتغلغل الأغاني والألحان الشعبية بعمق في نسيج الحياة اليومية والعمل لسكانها، على مر أجيال عديدة. هذه الأغاني ليست مجرد ألحان عابرة، بل هي ذاكرة جماعية حية، وسيلة بليغة لأجدادنا للتعبير عن أفكارهم، مشاعرهم، وقيمهم الأخلاقية الراسخة.

في عصرنا الحديث، يظل التراث الثقافي للأجداد محط اهتمام وحرص على الصون والتعزيز، ما يمنحه حيوية متجددة، خصوصًا مع الدور المحوري للتكنولوجيا الرقمية كجسر حيوي. بفضل هذا التطور، بدأت الأغاني الشعبية من نوعي “Ví” و “Giặm” تتجاوز تدريجيًا حدود الحياة المجتمعية التقليدية، لتظهر بقوة متزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الفيديو، والبث المباشر، ما يساهم بفاعلية في دمج الموسيقى الشعبية ضمن نسيج الحياة المعاصرة.

الرواد الرقميون: الحفاظ على أغاني Ví و Giặm

ضمن هذا السياق المتطور، يبرز الفنان الشعبي تران فان سانغ كشخصية شابة وفاعلة في مجال الحفاظ على أغاني “Ví” و “Giặm” الشعبية ونشرها في الفضاء الرقمي. يمتلك فان سانغ حاليًا قناة على يوتيوب مخصصة لهذه الأغاني، تضم أكثر من 72,500 مشترك، بالإضافة إلى قناة على تيك توك تجذب ما يزيد عن 10,800 متابع، ما يسهم بشكل ملحوظ في توسيع نطاق انتشار هذه الألحان التقليدية والوصول بها إلى جمهور أوسع.

تعليقًا على هذا التحول، أوضح الحرفي فان سانغ أن “نقل الأغاني الشعبية إلى الفضاء الرقمي لا يهدف إلى تحديثها بأي ثمن، بل إلى إيجاد السبل الكفيلة بضمان استمرار سماعها وتذكرها في خضم حياتنا المعاصرة. علاوة على ذلك، يسهم هذا النهج في جعل الوصول إلى الأغاني الشعبية وفهمها أكثر فاعلية، دون التقيد بحدود مكانية أو زمانية معينة”.

بحسب رؤية الحرفي فان سانغ، فإن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في كيفية اختيارها واستخدامها بالشكل الأمثل. يتطلب تسجيل وتخزين ومشاركة ألحان أغاني “Ví” و “Giặm” الشعبية عناية فائقة، لضمان الحفاظ على أصالتها التقليدية وجعل المستمعين يشعرون بالراحة والألفة معها، دون المساس بجوهرها.

“أحب في غيم”: مبادرة رقمية ناجحة

استجابة للتوجه المتزايد للجمهور نحو استهلاك المحتوى الرقمي، أنشأ السيد نغوين في تشونغ، وهو عضو في اللجنة التوجيهية لنادي ثاتش لينه للأغاني الشعبية (حي ثانه سين)، قناة “Yêu ví giặm” (أحب في غيم) على منصة تيك توك في عام 2023. وقد حققت القناة حتى الآن نجاحًا لافتًا، حيث حصدت ما يقارب 40 ألف متابع وأكثر من 620 ألف إعجاب. يتكون محتوى الفيديوهات بشكل أساسي من ألحان أغنية “في غيم” التي يجمعها السيد تشونغ من مصادر متنوعة، مثل قنوات يوتيوب واجتماعات النادي، ثم يقوم بتحريرها في مقاطع فيديو قصيرة ومُحسّنة لتناسب أذواق المشاهدين على تيك توك.

صرح نغوين في تشونغ بأن “تيك توك منصة متميزة لمقاطع الفيديو القصيرة التي تنتشر بسرعة هائلة، وآمل من خلالها أن أساهم في الحفاظ على الموسيقى الشعبية وتقريبها من الجمهور، وخصوصًا فئة الشباب الذين اعتادوا على الوصول إلى الثقافة من خلال الفضاء الرقمي”.

دور المعلمين والمؤسسات في دمج التراث

إلى جانب جهود الحرفيين والفنانين، تستغل نوادي الموسيقى الشعبية والمدارس والمنظمات في ها تينه التكنولوجيا الرقمية بنشاط في أنشطة صون التراث. فقد أنشأت العديد من النوادي صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات على يوتيوب لنشر أنشطتها وعروضها، ما أثار اهتمام رواد الإنترنت بشكل كبير. كما أدمجت بعض المدارس الموسيقى الشعبية ضمن أنشطتها اللامنهجية، حيث جمعت بين دروس الغناء المباشرة واستخدام مقاطع الفيديو والمواد الرقمية، ما أسهم في تسهيل عملية التعلّم وجعلها أكثر جاذبية للطلاب.

بالنسبة للمعلمة فو ثوي هين، التي تشتهر بأعمالها الموسيقية العديدة المتجذرة بعمق في الموسيقى الشعبية لنمطي “Ví” و “Giặm”، فتحت التكنولوجيا الرقمية آفاقًا إبداعية جديدة. ومن خلال هذه التقنيات، تتاح للمغنين فرصة فريدة لتقريب الموسيقى الشعبية من الجمهور، وخصوصًا جيل الشباب.

إلى جانب أنشطتها الفنية، تتولى السيدة فو ثوي هين منصب رئيسة اتحاد الشباب في مدرسة ثاتش ها الابتدائية الأولى. انطلاقًا من خبرتها الواسعة في التدريس، تؤمن بأن: “في العصر الرقمي، يتطلب تعريف الطلاب بالأغاني الشعبية مثل “Ví” و “Giặm” أساليب مرنة تتناسب مع عاداتهم التعليمية. فمن خلال اختيار أغاني ذات كلمات موجزة وألحان مألوفة، بالإضافة إلى استخدام الوسائل البصرية ومقاطع الفيديو أثناء الأنشطة، يستطيع الطلاب الاستماع إليها بسهولة، والغناء معها، وحفظها بفعالية”.

آفاق جديدة وتحديات رقمية

من خلال هذا النهج المتكامل، لا تصبح الأغاني الشعبية جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية فحسب، بل تُدمج أيضًا بفاعلية في التعليم التقليدي. وقد ساهمت العديد من الأغاني التي تُعرّف بالمواقع التاريخية والوجهات السياحية الثقافية في الوطن الأم في مساعدة الطلاب على استيعاب التاريخ والثقافة المحليين بطريقة حيوية ومبتكرة، تتناسب تمامًا مع البيئة التعليمية المعاصرة.

في الواقع، أسهم نقل الأغاني الشعبية إلى الفضاء الرقمي بشكل كبير في طمس الحدود الجغرافية، ما خلق الظروف المواتية لوصول الألحان التقليدية إلى جمهور واسع في مناطق متعددة، وبالتالي المساهمة بفاعلية في تعزيز صورة الثقافة المحلية في سياق التكامل العالمي. لقد تجاوزت الألحان الشعبية لـ “Ví” و “Giặm” تدريجياً حدود ساحات القرى والتجمعات على ضفاف الأنهار والحياة المجتمعية، وظهرت بشكل متزايد على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يؤكد على انتشارها الواسع.

إلى جانب هذه الفرص الواعدة، يفرض العالم الرقمي متطلبات جديدة على الإدارة والتوجيه. يجب ربط نشر الأغاني الشعبية بمراقبة دقيقة لجودة المحتوى، وتجنب نزعات التشويه الثقافي والتسويق المفرط الذي قد يشوه قيمة هذا التراث الثمين. هذه مسألة حيوية تتطلب جهودًا منسقة ومتكاملة من الجهات الإدارية، والحرفيين، والفنانين، والمجتمع بأسره.

لذا، فإن الحفاظ على الأغاني الشعبية في العصر الرقمي لا يعني بالضرورة الحفاظ على جميع أشكال التعبير التقليدية بشكل جامد، بل هو عملية تكيف مرنة وانتقائية تهدف إلى التجديد مع الأصالة. عندما تُستخدم التكنولوجيا كأداة داعمة بمسؤولية، إلى جانب الالتزام بالحفاظ على القيم الجوهرية، ستتاح لأغاني ها تينه الشعبية فرص أكبر للاستمرار في الانتشار بشكل مستدام في الحياة اليومية وفي المستقبل.

المصدر: أقرأ نيوز 24