
صادف حلول شهر رمضان 2026 مع اندلاع الحرب الأميركية – الإيرانية، في أواخر شباط (فبراير) الماضي، ما حول أجواء الاحتفالات بالشهر الكريم، والتجمعات العائلية عند الإفطار، ومشاهدة البرامج والمسلسلات المتنوعة، إلى قنوات إخبارية تتابع تطورات الحرب وتبعاتها في الشرق الأوسط والعالم، ومع دخول الحرب أسبوعها الثاني، فكيف تداخلت الحرب مع شهر رمضان؟ وما هي حالة الاقتصاد الحالي؟ وكيف تأثر بتداعيات الحرب؟
الدول الأكثر تضرراً من الحرب
يقول خبير أسواق المال عمرو وهيب لـ”النهار” إن الحرب في رمضان لم تُحول المنطقة إلى أزمة نقص شامل في السلع، لكنها أثرت بسرعة على تكلفة الطاقة والشحن والتأمين، ما دفع بأسعار الحبوب والزيوت والنقل والخدمات الغذائية نحو الأعلى، فالتأثير المباشر سيبدأ بالظهور في دول عربية مثل لبنان ومصر، اللتين تعانيان من ضعفٍ في العملة المحلية، وتعتمدان على الاستيراد، يليه الأردن مع ضغط محدود، بينما تبدو الجزائر والخليج أكثر قدرة على امتصاص الصدمة مالياً، مع بقاء الخطر قائماً في حال امتدت الحرب أو ازدادت الاضطرابات في مضيق هرمز.
التضخم يطرق الأبواب
يُشير وهيب إلى أن “التضخم سيطرق الأبواب بدلاً من المسحراتي في رمضان”، إذ تتسارع الضغوط التضخمية على السلع الاستهلاكية الأساسية مع قفزة أسعار الطاقة والشحن والتأمين، فقد ارتفع سعر خام برنت بنسبة 25% ليصل إلى 115.75 دولاراً للبرميل، مسجلاً أكبر مكسب يومي منذ عام 1988 على الأقل، وذلك بعد ارتفاعه 28% الأسبوع الماضي، كما قفز سعر الخام الأميركي 25% ليصل إلى 114 دولاراً، مما يُنذر بارتفاع سريع في أسعار البنزين. وتبدأ السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران بتقليص الإنتاج أو إغلاق بعض الحقول بالكامل، خشية امتلاء خزانات التخزين نتيجة تكدس النفط الخام في الخليج، بعد إغلاق مضيق هرمز وتصعيد الحرب الإيرانية، ما يُنذر بسرعة وصول سعر برميل النفط إلى مستوى 150 دولاراً.
| الدولة | تأثير الحرب |
|---|---|
| لبنان | ضعف في العملة المحلية واعتماد على الاستيراد. |
| مصر | ضعف في العملة المحلية واعتماد على الاستيراد. |
| الأردن | ضغط محدود ولكنه محسوس. |
| الجزائر والخليج | أكثر قدرة على امتصاص الصدمة. |
صدمة الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد
يلفت وهيب إلى صدمة الأسعار التي أصابت سلاسل الإمداد، إذ أدت الحرب إلى خفض الطاقة العالمية للشحن الجوي بنحو 22%، بينما ارتفعت أسعار الشحن الفوري من جنوب شرقي آسيا إلى أوروبا بأكثر من 6% منذ نهاية الأسبوع الماضي، مع تكدس 147 سفينة حاويات في الخليج، وبداية شركات كبرى فرض رسوم مخاطر حرب ورسوم طوارئ، وتحويل مساراتها، بينما ارتفعت أقساط التأمين البحري ضد مخاطر الحرب إلى 1% من قيمة السفينة، مقارنةً بنحو 0.2% قبل أسبوع، مما يضيف مئات الآلاف من الدولارات إلى تكلفة الشحنة الواحدة، وبالنسبة للغذاء، تبدو الأسواق الخليجية أكثر حساسية، إذ تستورد بين 80% و90% من احتياجاتها الغذائية، ما يعني أن الزيادة في تكلفة الطاقة والنقل والتأمين مرشحة للانتقال سريعًا إلى أسعار الحبوب والزيوت والسكر وسائر السلع الأساسية إذا طالت الاضطرابات.
تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي
يُتوقع أن تضيف هذه الصدمة إلى أسعار الطاقة والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد نحو نقطة مئوية إلى التضخم السنوي العالمي، وأن تخصم 0.6 نقطة مئوية من النمو في النصف الأول من 2026، كما تشير تقديرات بنك جيه بي مورغان إلى أن كل زيادة بنسبة 10% في سعر خام برنت المحسوب باليورو قد ترفع التضخم الرئيسي في منطقة اليورو بنحو 0.11 نقطة مئوية خلال ثلاثة أشهر، مما يُظهر أن انتقال الصدمة سيبدأ سريعًا بالبزين والديزل ثم يمتد إلى بقية الأسعار. كما تُظهر تقديرات (The Kobeissi Letter) أنه في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط الأميركية فوق الـ 110 دولارات للبرميل، لمدة ثلاثة أشهر، فسيرتفع معدل التضخم في مؤشر أسعار المستهلك الأميركي إلى نحو 3.5%، مما سيضع التضخم في الولايات المتحدة عند أعلى مستوى له منذ آذار (مارس) 2024.
بينما حذر البنك المركزي الأوروبي من أن حرباً أطول في الشرق الأوسط قد ترفع التضخم وتخفض النمو، وقدّرت أن صدمة نفط دائمة يمكن أن ترفع التضخم بنحو 0.5 نقطة مئوية، وتخفض النمو بنحو 0.1 نقطة مئوية، ما يُعطي إطاراً رقمياً لفهم سبب ضغط النفط على الأسعار العالمية في رمضان بسرعة أكبر من المعتاد، ويؤكد الباحث الاقتصادي وخبير أسواق المال هاني صبحي لـ”النهار” أن معدلات نمو الاقتصاد العالمي مرشحة للتراجع بنحو 1%، كما سنشهد خلال الفترة المقبلة تباطؤاً في فكر التيسير النقدي وخفض الفائدة، وليس في الولايات المتحدة فقط بل في العالم كله، في محاولة من البنوك المركزية لكبح التضخم الناجم عن تداعيات الحرب الإيرانية.
“بعد العيد”
يؤكد صبحي أن قفزات سعرية في أسواق الطاقة وحتى النفط والذهب، الذي اقترب من 5200 دولار للأونصة وتراجع إلى نحو 5095 دولاراً، لن نشهد تأثيرها المباشر بشكل قوي خلال شهر رمضان، حيث إن أغلب الدول والأسر لديها مخزون كافٍ من السلع لقضاء الشهر الكريم، لكن الصدمة التضخمية الفعلية في الأسعار ستبدأ إذا دخلت الحرب الإيرانية أسبوعها الثالث، حينها قد يصل سعر برميل النفط إلى 150 دولاراً، مما يؤدي لارتفاع أسعار البنزين والكهرباء والسلع الاستهلاكية الأساسية بما يتراوح بين 25% إلى 50%، وهذا التضخم المستعر لن نشهده إلا “بعد العيد”.
