
في تطورات متصاعدة، رفضت ألمانيا بشكل قاطع المشاركة في الجهود الرامية لفتح مضيق هرمز، في حين أعربت اليابان وأستراليا عن احتمالية عدم إرسالهما أي قطع بحرية للمساعدة. أما بريطانيا وفرنسا، فقد أكدتا أنهما تدرسان الخيارات المتاحة، لكنهما لم تلتزما بأي خطوة عملية قبل توقف الاشتباكات، وتُعد جميع هذه الدول من أقرب حلفاء الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، رفض وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، دعوة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، لتقديم الدعم، متسائلاً يوم الاثنين: “ماذا يتوقع ترامب أن تحققه حفنة أو حتى حفنتان من الفرقاطات الأوروبية في مضيق هرمز، مما لا تستطيع البحرية الأميركية القوية الموجودة هناك تحقيقه بمفردها؟”، مضيفاً بوضوح: “هذه ليست حربنا، ونحن لم نبدأها”.
كان ترامب قد وجه خلال عطلة نهاية الأسبوع رسالة حادة إلى الحلفاء، مصرحاً للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية بأنه إذا رفضت الدول الانضمام إلى الجهود الرامية لفتح مضيق هرمز، فإن “الولايات المتحدة ستتذكر ذلك”، كما حذر في مقابلة مع صحيفة “فايننشال تايمز” من أن عدم تقديم حلفاء “الناتو” المساعدة سيكون “سيئاً جداً لمستقبل” الحلف.
من جانبها، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، يوم الاثنين، أن ترامب “يواصل التحدث مع الحلفاء في أوروبا ويدعوهم إلى تقديم الدعم”.
ما سبب التردد الأوروبي؟
يعكس التردد الأوروبي في الانخراط بهذا التحرك، جزئياً، توتر العلاقات مع الإدارة الأميركية الحالية، التي دأبت على انتقاد الحلفاء التقليديين، واستخدام الثقلين الاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة من أجل فرض مواقفها.
وأشار أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في كلية دراسات الأمن في “كينغز كوليدج لندن”، إلى أن ترامب “حاول استخدام الترابط الاقتصادي كسلاح، عبر توظيف القوة الأميركية لإكراه الشركاء والحلفاء على تنفيذ ما يريده”، مضيفاً أن هذا الأسلوب “أُفرط في استخدامه إلى درجة أن العالم بدأ، حيثما أمكن، يتجه إلى فك الارتباط مع واشنطن”.
وعلى الرغم من ذلك، لا تستطيع أي من الدول الشريكة التقليدية لواشنطن تجاهل ضغوط البيت الأبيض بالكامل، إذ لا تزال الدول الأوروبية تحاول إبقاء ترامب منخرطاً في الملف الأوكراني، ودفعه بعيداً عن أي تقارب أميركي مع روسيا، خشية أن يؤدي ذلك إلى تقويض سيادة كييف وتخفيف الضغوط الاقتصادية عن الكرملين.
كما تبدو أوروبا شديدة التأثر بالإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، في وقت لا تزال فيه معظم دول القارة تواجه تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة منذ الحرب الأوكرانية عام 2022، وتواصل في الوقت نفسه خفض وارداتها من الطاقة الروسية، وقد أثار قرار الإدارة الأميركية الأسبوع الماضي تعليق العقوبات مؤقتاً على صادرات النفط الروسي استياءً أوروبياً واسعاً.
ومع ذلك، فإن تهديدات ترامب لم تعد تملك الزخم نفسه الذي كانت تملكه قبل عام.
ففي الصيف الماضي، استجابت عواصم أوروبية لمطالب ترامب برفع الإنفاق الدفاعي لدول حلف شمال الأطلسي إلى 5 بالمئة من الناتج الاقتصادي، كما وافقت على اتفاق تجاري قبلت بموجبه الرسوم الجمركية الأميركية على السلع الأوروبية.
لكن هذا الامتثال بدأ يتراجع خلال الأشهر الأخيرة، مع انحسار مستوى النفوذ الذي يمارسه ترامب، فقد دفع قرار الإدارة الأميركية وقف جميع أشكال المساعدات المالية المباشرة لأوكرانيا أوروبا إلى التدخل وتعويض هذا الغياب، بما أبقى كييف في ساحة المواجهة رغم مساعي البيت الأبيض لإنهاء النزاع.
وفي محطة أخرى عكست حدود الضغط الأميركي، أثارت مساعي ترامب للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التابعة للدنمارك، تهديداً أوروبياً بإسقاط الاتفاق التجاري المبرم في الصيف الماضي، ما تسبب في تراجع الأسواق ودفع ترامب إلى التراجع عن مطلبه.
وفي السياق ذاته، كانت الحكومة البريطانية قد رفضت في البداية السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها لشن هجمات على إيران، إذ قال رئيس الوزراء، كير ستارمر، إنه لن ينضم إلى حرب ما لم تكن قانونية وتستند إلى “خطة قابلة للتطبيق ومدروسة جيداً”.
لكن ترامب كتب لاحقاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن غيرت الحكومة البريطانية موقفها بعد أيام: “لا بأس يا رئيس الوزراء ستارمر، لم نعد بحاجة إليهم… لا نحتاج إلى من ينضمون إلى الحروب بعد أن نكون قد ربحناها بالفعل”.
ورغم ذلك، قال ستارمر، الذي تحدث مع ترامب الأحد، إن المملكة المتحدة تعمل مع الولايات المتحدة ودول الخليج وشركاء أوروبيين على إعداد خطة لتأمين المضيق، لكنه شدد على أنه لم تُتخذ أي قرارات بعد، وامتنع عن الإجابة عما إذا كانت بلاده ستنخرط قبل التوصل إلى وقف إطلاق نار بين واشنطن وطهران، مضيفاً: “لن ننجر إلى حرب أوسع… وفي نهاية المطاف، علينا فتح مضيق هرمز، لكن هذه ليست مهمة بسيطة”.
من جهته، أرسل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ثماني فرقاطات، وحاملتي مروحيات برمائيتين، وحاملة طائرات إلى المنطقة، وقال إن بعض السفن ستُنشر قرب مضيق هرمز.
كما يسعى ماكرون إلى تشكيل تحالف خاص به يضم دولاً أوروبية وآسيوية وخليجية، غير أن مسؤولين فرنسيين أوضحوا أن أي عملية محتملة لن تبدأ إلا بعد توقف القتال.
وقال ماكرون، في منشور على منصة “إكس” يوم الاثنين، إنه تحدث مع الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وأبلغه أن حرية الملاحة في المضيق “يجب أن تُستعاد في أسرع وقت ممكن”.
وفي بروكسل، عقد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اجتماعاً يوم الاثنين، ناقشوا خلاله الوضع، بما في ذلك احتمال توسيع عملية بحرية أوروبية صغيرة في البحر الأحمر لتشمل المساعدة في مضيق هرمز، لكنهم قرروا عدم تعديل المهمة حالياً، لأنها تواصل دورياتها ضد الحوثيين هناك.
وصرحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بعد الاجتماع: “لا أحد يريد الانخراط بشكل نشط في هذه الحرب”.
في المقابل، رأى فابريس بوثييه، المسؤول السابق عن التخطيط السياسي في “الناتو” والرئيس التنفيذي الحالي لشركة “راسموسن غلوبال”، أن على الدول الأوروبية تقديم قدر من الدعم، بما يضمن إبقاء واشنطن ضمن مقاربة أكثر تنسيقاً في التعامل مع التحديات المشتركة، وقال إن الرد الأوروبي “يجب ألا يقوم على تجاهل ترامب لمعاقبته على نهجه الأحادي، بل على دفعه إلى العمل مع حلفائه”، بما في ذلك في الملف الأوكراني، مضيفاً أن نشر فرنسا أو دول أوروبية أخرى أصولاً عسكرية في المنطقة “قد يكون منطقياً، وقد يمنحنا قدراً من النفوذ”.
