«ترقب حذر» الموازنة في عين العاصفة السياسية قبيل قدوم وفد الصندوق

«ترقب حذر» الموازنة في عين العاصفة السياسية قبيل قدوم وفد الصندوق

صادق مجلس النواب اللبناني على مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2026، وذلك بأغلبية 59 صوتًا مؤيدًا، مقابل 34 معارضًا، وامتناع 11 نائبًا عن التصويت، وقد جاء هذا الإقرار بعد جلسات متوترة شهدت إشكالات كلامية كادت تتطور إلى مواجهات، وفي خضم محاولات حاشدة من الأساتذة والمعلمين والموظفين والعسكريين المتقاعدين اقتحام مبنى البرلمان، مما أدى إلى تدافع وإصابات، حيث كانت أروقة المجلس تشهد نقاشات حادة بين مؤيدين لمطالب المتقاعدين والموظفين ومعارضين لها، وسط رفض حكومي لتقديم أي تعهدات قاطعة في الموازنة، ما دفع الرئيس نبيه بري إلى طلب وقف البث التلفزيوني للجلسة.

تصريحات وزير المال حول الموازنة

ردًا على مداخلات النواب بشأن المطالبة بزيادة أربعة رواتب للقطاع العام والعسكريين والمتقاعدين، أكد وزير المال، ياسين جابر، أنه “لا يستطيع التعهد بشيء غير مدروس”، مشيرًا إلى قدوم وفد صندوق النقد الدولي في 9 شباط وتساءل عن فحوى الرسالة التي ستحمل إليهم، وحذر جابر من أن زيادة الرواتب بشكل عشوائي تمثل “ساعة تخلٍّ” وتُغرق البلاد، طالبًا مهلة حتى نهاية شباط لدراسة الأمر، كما أشار إلى أن سقوط الموازنة الحالية كان سيؤدي إلى اللجوء لموازنة الإثني عشرية، وذكّر الجميع بما تسببت به سلسلة الرتب والرواتب السابقة من تداعيات على موجودات الخزينة بالليرة، مؤكدًا التزامهم بالحقوق، لكنه أشار إلى أن البلاد لم تخرج بعد من النفق، وأن هناك محاولات للملمة المؤسسات، وشدد على أن التسرع في القرارات أمر غير مقبول. وعلى الرغم من كل التحديات، تم إقرار الموازنة وفقًا لما هو مخطط لها، مما يضمن أن وفد صندوق النقد الدولي لن يجد أمامه مشكلة في استمرار التفاوض مع لبنان حول المساعدات أو القروض الميسرة، بعد أن مضى لبنان قدمًا في تعهداته.

الموازنة تعكس أزمة شاملة

بين الأرقام والجداول من جهة، والخطابات والمواقف من جهة أخرى، تجلت الموازنة كمرآة تعكس الأزمة الشاملة التي تمر بها البلاد، حيث تحاول الدولة إقرار حساباتها في ظل انقسام سياسي حاد، ويناقش المجلس النيابي بنودًا مالية بينما الخلافات البنيوية تطفو عند كل منعطف، وهكذا، صادق المجلس على موازنة العهد الأولى بأغلبية 59 صوتًا، ومعارضة 34 صوتًا، وامتناع 11 نائبًا عن التصويت، وكان من أبرز مؤيدي الموازنة نواب “الثنائي الشيعي” و”اللقاء الديموقراطي” وعدد من النواب التغييريين، فيما امتنع نواب “الكتائب” ونواب متفرقون عن التصويت، وعارضها نواب “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” ونواب آخرون، بمن فيهم نواب من كتلة الاعتدال الوطني.

مجلس الوزراء

على وقع إقرار الموازنة، يعقد مجلس الوزراء جلسته العادية اليوم في بعبدا، بجدول أعمال كانت “اللواء” قد أشارت إليه في عددها أمس، مع التأكيد على أنه لن يتطرق إلى مسألة حصر السلاح شمال الليطاني، وفي سياق آخر، يتوجه الرئيس نواف سلام إلى دولة الإمارات، بينما يتوجه الرئيس جوزاف عون إلى إسبانيا في زيارة رسمية.

الموازنة: اليوم الثالث من النقاشات

توزعت جلسات مناقشة الموازنة العامة على مدى ثلاثة أيام حافلة، استغرقت خمس عشرة ساعة وأربعين دقيقة، تعاقب خلالها 65 نائبًا على منبر البرلمان، في مشهد عكس حجم التباينات السياسية والاقتصادية التي تحيط بالاستحقاق المالي، لم تكن المناقشات تقنية بحتة، بل تحولت في محطاتها الأخيرة إلى مساحة مكثفة لتظهير الاشتباك السياسي العميق الذي يسبق إقرار الموازنة ويواكبه، وفي الشكل، التزمت الجلسات حدًا أدنى من الانضباط، لكن في المضمون، طغت المقاربات المتناقضة حيال الأولويات، بين من يرى في الموازنة ضرورة ملحة لضبط الإنفاق وتأمين استمرارية الدولة، ومن يعتبرها استمرارًا لنهج مالي لا يلامس جوهر الأزمة الاجتماعية والمعيشية، هذا التناقض انفجر في الساعات الأخيرة قبل الإقرار، حيث شهدت القاعة هرجًا ومرجًا واختلط الحابل بالنابل بخصوص حقوق المتقاعدين العسكريين والمدنيين والعاملين في القطاع العام، وأمام تفاقم الوضع الذي وصفه الرئيس نبيه بري بالمعيب، طلب وقف النقل المباشر للجلسة، مكلفًا نائبه الياس بو صعب بمحاورة ممثلي العسكريين في إحدى قاعات المجلس بعد أن أحاط بمقر المجلس المئات من المحتجين، وشارك في جانب من الاجتماع الرئيس نواف سلام، ليخرج بعدها بو صعب والعميد شامل روكز ويعلنان عن التوصل إلى اتفاق ينفذ نهاية شباط المقبل ويرمي لإعطاء 50 بالمئة على أصل الراتب، وإلى جانب ذلك، شهدت الجلسة الصباحية مشادة كلامية حادة بين نواب حزب الله والكتائب، حيث أطلق النائب علي فياض موقفًا عالي السقف، متهمًا “ثالوث” وزيري العدل والخارجية وحاكم مصرف لبنان بخنق بيئة “تُقتل يوميًا”، في اتهام حمل أبعادًا سياسية وقضائية ومالية في آن واحد، ولم يكن كلام فياض معزولًا عن السياق العام، بل جاء ليعبر عن شعور متراكم لدى شريحة سياسية تعتبر أن السياسات المعتمدة، داخليًا وخارجيًا، تُستخدم كأدوات ضغط تتجاوز العناوين الإصلاحية المعلنة.

دعوة الهيئات الناخبة في 3 أيار

على الرغم من سجالات جلسة الموازنة، برز إلى الواجهة تحريك رسمي لإجراء الانتخابات النيابية، حيث قفزت الانتخابات النيابية إلى الواجهة، فأعلن وزير الداخلية أحمد الحجار أنه وقّع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في 3 أيار، على أن يصدر في الجريدة الرسمية خلال اليومين المقبلين، وهو ما كانت قد أشارت إليه “اللواء” في عددها أمس، ومن شأن هذا الإجراء الدستوري إلزام المجلس النيابي بتسريع مناقشة اقتراحات ومشاريع القوانين الانتخابية وتعديل القانون الحالي بما يلائم التوجهات النيابية والسياسية، وأفيد أن الحكومة ستطبق ما يطبق من قانون الانتخاب في استحقاق 3 أيار ما لم يحصل تعديل للقانون، وقال نائب رئيس حزب القوات اللبنانية النائب جورج عدوان عبر حسابه على “أكس”: “الانتخابات النيابية استحقاقٌ دستوري لا يجوز المساس به أو تأجيله، وهي في الوقت نفسه مقياسٌ للنهج الجديد الذي يجب إرساؤه، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، وعلى الحكومة أن تضع هذا الاستحقاق في صدارة جدول أعمالها، ولا سيما بعد أن وقّع وزير الداخلية مرسوم دعوة الهيئات الناخبة بتاريخ 3 أيار، نريد الانتخابات في موعدها”.

مساعدات قطرية للجيش ورئيس الأركان الأردني في لبنان

لم تغب الاهتمامات المحلية والخارجية عن متابعة موضوع دعم الجيش اللبناني، فقدمت قطر أمس للجيش اللبناني مساعدة عسكرية عبارة عن هبة من خلال صندوق قطر للتنمية، تتضمن عددًا من الآليات، بحضور السفير القطري في لبنان الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، والسفير الأميركي ميشال عيسى، ونائب رئيس الأركان للتجهيز ممثلًا قائد الجيش العماد رودولف هيكل، إلى جانب عدد من الضباط، وتم تسليم الهبة في اللواء اللوجستي – كفرشيما، وأكد السفير القطري التزام بلاده بالوقوف إلى جانب لبنان وحرصها على تقوية علاقات الأخوة والتعاون بين البلدين، ودعمها للجيش، إيمانًا منها بدوره المحوري في الحفاظ على الأمن والاستقرار، كما لفت إلى استمرار المبادرات القطرية مستقبلًا، وزار لبنان أمس، رئيس أركان الجيش الأردني اللواء الركن يوسف الحنيطي على رأس وفد عسكري، والتقى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وأكد له استمرار الأردن، بتوجيه من الملك عبدالله الثاني، في دعم الجيش اللبناني بالعتاد والتدريب، لتمكينه من القيام بالمهام المطلوبة منه، وذلك في إطار العلاقات الأخوية التي تربط بين لبنان والأردن، والتقى الحنيطي أيضًا قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وخلال الزيارة، تسلّم الجيش في مديرية القوامة – كفرشيما هبة أردنية وصلت برًا عن طريق معبر المصنع الحدودي، تتضمن مساعدات غذائية، بحضور سفير المملكة الأردنية الهاشمية وليد الحديد، وممثل قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وجاءت الهبات قبيل سفر العماد هيكل إلى واشنطن وقبيل عقد جلسة مجلس الوزراء المخصصة لعرض خطة الجيش حول حصرية السلاح في شمالي نهر الليطاني في شهر شباط المقبل، وأعلنت السفارة الأميركية في بيروت ترحيبها بتقويم دولة قطر هبة من الآليات للجيش اللبناني، ووصفتها بالخطوة البناءة، وقالت يتطلع السفير ميشال عيسى إلى مساهمات إضافية من الشركات دعمًا للمدافع الشرعي والوحيد عن سيادة لبنان.

التحركات الاحتجاجية تشمل المحافظات أيضاً

على وقع المناوشات التي رافقت إقرار الموازنة في البرلمان، شهدت بيروت وعدد من المناطق اللبنانية تحركات احتجاجية واعتصامات واسعة نفذها موظفو الإدارات العامة وروابط التعليم الرسمي والعسكريون المتقاعدون، رفضًا لما وصفوه بتجاهل حقوقهم المعيشية والوظيفية، وتحذيرًا من إقرار موازنة لا تنصف العاملين في القطاع العام ولا تعالج الخلل القائم في الرواتب والتقديمات الاجتماعية، ففي العاصمة، تجمع العشرات من المحتجين من روابط التعليم الرسمي والعسكريين المتقاعدين أمام مجلس النواب، حيث قطعوا الطريق المؤدية باتجاه بلدية بيروت، وسُجل تدافع بينهم وبين عناصر الجيش عند أحد مداخل المجلس، في ظل إجراءات أمنية مشددة رافقت الجلسة النيابية، وتلقى العسكريون المتقاعدون وعودًا من رئيس الحكومة ووزير المالية والرئيس بري، تقضي بمنحهم إضافة على راتب العائلة، وتلبية مطلب بونات البنزين، إضافة إلى تغطية أقساط المدارس لأبنائهم بنسبة 100 في المئة أسوة بالعسكريين في الخدمة الفعلية، وفي صيدا أفادت الزميلة ثريا حسن، بأن موظفي ورؤساء الإدارات العامة نفذوا اعتصامًا في باحة سرايا المدينة، بدعوة من لجنة المتابعة في رابطة موظفي الإدارة العامة، احتجاجًا على إقرار الموازنة من دون إنصاف الموظفين، ورفع المعتصمون شعارات تؤكد أن “الحقوق خط أحمر” و”لا موازنة من دون إنصاف الموظف”، وفي النبطية أفاد مراسل “اللواء” سامر وهبي أنه وعلى الرغم من الطقس العاصف، نُفذ اعتصام حاشد أمام السرايا الحكومية للمطالبة بتصحيح الرواتب والأجور، وطالب ممثلو الرابطة بتعديلات جوهرية على اقتراحات القوانين المطروحة، أبرزها إعطاء رواتب فورية ومنح مالية مرحلية، وعدم المس بالمعاش التقاعدي، ورفع التعويضات العائلية والمنح المدرسية، وألقى ممثل رابطة موظفي الإدارة العامة في النبطية مسلم عبيد كلمة أعلن فيها “أن موظفي الإدارة العامة يطالبون اليوم بتعديل جوهري على اقتراح القانون المعد من قبل مجلس الخدمة المدنية لناحية تقليص سنوات التقسيط، سيما المطالب التالية: إعطاء عشرة رواتب بشكل فوري بالإضافة إلى منحة مالية 10 ملايين لمدة 3 أشهر، وعدم المس بالمعاش التقاعدي لأنه من الحقوق المكتسبة للمواطنين، وإدخال مقدمي الخدمات الفنية إلى الضمان الاجتماعي”، وتوازيًا، شهدت طرابلس اعتصامًا أمام سرايا المدينة بمشاركة واسعة من الموظفين والمتعاقدين والعاملين في البلديات، حيث قُطعت الطريق الرئيسية في خطوة تصعيدية، وأكد المحتجون رفضهم لمشروع الموازنة، معتبرين أنه يكرس الظلم ويهمل حقوق موظفي الإدارة العامة الذين يؤمنون أكثر من 80 في المئة من إيرادات الدولة، كما نُفذ اعتصام مماثل أمام سرايا زحلة، حيث شدد المشاركون على وحدة المصير بين مختلف العاملين في القطاع العام، محذرين من خطورة المساس بالنظام التقاعدي والحقوق المكتسبة، وأكدوا أن تحركاتهم ستستمر عبر اعتصامات وإضرابات تصاعدية “حتى نيل كامل الحقوق وصون كرامة الموظف وعائلته”.