
في السادسة عشرة من عمره، بينما كانت شوارع القاهرة تعج بموسيقى العروبة وأحلام النهضة الكبرى، سار شاب نحيل في شوارع حي مصر الجديدة بخطوات ثقيلة، يحمل على صدره دملة لا تتناسب مع صغر سنه، هذا الشاب هو محمود عزت، الذي لم يكن يعلم حينها أن القدر سيختاره ليكون “رأس الأفعى” لتنظيم إرهابي يعيث في الأرض فسادا بعد عقود.
الصدمة الحضارية.. مراهق “قطبي” في حي الأرستقراطية
كان عام 1960 هو العام الذي انتقل فيه محمود عزت للعيش مع والده وأسرته في حي مصر الجديدة، وهو الحي الذي كان وما زال يمثل واجهة الرقي والعمران للعاصمة المصرية، لم تكن خطوة عزت مجرد تغيير عنوانه الجغرافي أو انتقاله من منزل إلى آخر، بل كانت بمثابة “صدمة ثقافية” وصدمة نفسية هزت أركان عقله المراهق، الشاب الذي تشبع في طفولته المبكرة بقصص التنظيم السري وشائعات التطرف، واجه مجتمعاً «ليبرالياً» بمعاييره الضيقة، حيث الفن والسينما والنساء المتعلمات والشباب منفتحون على الثقافة العالمية، وبدلاً من أن يندمج عزت في هذا المجتمع الذي حاول والده تقديمه إليه، حدث رد فعل معاكس تماماً، انغلق الشاب على نفسه وشعر بغربة هائلة جعلت من كل مشهد عمراني في شوارع مصر الجديدة، في رأيه، «جاهلية» يجب التخلي عنها، وهنا ولدت «عقدة النقص» التي تحولت فيما بعد إلى «كراهية طبقية وفكرية» لكل ما تمثله الدولة المدنية، كان يرى جيرانه ورفاقه «أعداء الفضيلة»، فبدأ ببناء جدران من العزلة النفسية أقوى من جدران أي سجن، فكان هذا العام البداية الحقيقية لعملية «غسل الدماغ الذاتي» التي قام بها نكاية بمجتمعه الجديد.
ناصر يبني السد.. وعزت يبني الكراهية
بينما كان محمود عزت يغرق في ظلمة أفكاره، كانت مصر تعيش أزهى عصور الصعود القومي الناصري، في عام 1960 هز اسم جمال عبد الناصر عواصم العالم، وكانت القاهرة “بوصلة” السياسة الدولية ومصير الثوار من كل قارات الأرض، وفي يناير/كانون الثاني من ذلك العام، وقف عبد الناصر لوضع حجر الأساس للسد العظيم، ذلك المشروع المعجزة الذي لم يكن مجرد بناء خرساني، بل رمزا لكرامة المصريين وقدرتهم على تحدي المستحيل، وشاهد عزت بأعينه المراهقة احتفالات المصريين بهذا الإنجاز، وفي مايو من العام نفسه شهد قرار تأميم الصحافة، الذي وضع الكلمة في خدمة المشروع الوطني، لكن الغريب أن هذه الزيادة المبهرة لم تزد إلا غضب «الثعلب»، وبينما كان المصريون يهتفون: “يا ناصر يا حبيب الشعب”، جلس عزت في غرفته المظلمة، يتغذى على تصريحات المجموعة السرية التي تصف ناصر بـ “الطاغية”، ورأى أن فتح المصانع أبوابها والوحدة مع سوريا مجرد أدوات لتعزيز قوة الرجل الذي قام بقمع جماعته، متجاهلاً تماماً أن هذه الإنجازات كانت ترفع اسم مصر إلى السماء، هذا التناقض الصارخ يصف الشخصية «القطبية» التي ترى الوطن ليس أكثر من «حفنة أرض عفنة» إذا لم يكن تحت حكم تنظيمها.
انكسار الجماعة.. والبحث عن “رأس الأفعى”
في عام 1960، كانت الجماعة الإرهابية تعاني مما أصبح يعرف باسم “الضيقة العظيمة”، وذلك تحت وطأة حظر قانوني صارم وعملية أمنية بدأت منذ محاولة اغتيال ناصر في حادثة المنشية، وكان قادة الصف الأول خلف القضبان وكانت المنظمة تعاني من “شلل سريري”، وفي مناخ «الكمون القسري»، راقب محمود عزت المشهد بذكاء «الثعلب»، لقد رأى انهيار كبار المجموعة، وبدلاً من أن يتعلم، قرر أن يكون “مرممًا” لهذا الهيكل المنهار، ولكن بطريقة أكثر سرية وأكثر فتكًا، في ذلك الوقت، داخل السجون، كان سيد قطب يكتب «أحجار على الطريق»، وهي أفكار اعتنقها عزت بشغف مراهق متمرد، وفي تكفير المجتمع وإعلان الحاكم وجد مبررًا مشروعًا لرفضه مجتمع هليوبوليس ولحلمه في تدمير الدولة الناصرية، وفي ذلك العام، لم تكن الجماعة في رأيه مجرد تنظيم سياسي، بل كانت “عصابة من المؤمنين” تواجه مجتمعاً كافراً، ومن هنا بدأ التخطيط لدوره التالي، ولا يعتمد الدور على المواجهة المباشرة، كما فعل قادة المنشية، بل يعتمد على «الاختراق الهادئ» و«الصبر الاستراتيجي».
إرث “الكمون” وحقد الزنازين
كان عام 1960 بمثابة العمود الفقري لشخصية محمود عزت الإجرامية، فبينما كانت الدولة تخوض معارك ضد حركة عدم الانحياز وتبني المعالم الصناعية، كانت تزرع في أعماق أجهزتها الرقابية بذور «الكراهية السوداء»، تعلم هذا العام إخفاء وارتداء قناع «المواطن العادي»، فيما كان قلبه لا ينبض إلا بالوفاء للمرشد، تلك المراهقة المعزولة هي التي أنتجت لنا فيما بعد الرجل الذي أمر دون أن يرف له جفن بتفجير مديريات الأمن وقتل المدعي العام، قصة محمود عزت في الستينيات هي قصة الصدام بين «مشروع بناء الدولة» و«مشروع تدمير وطن»، رحل ناصر، لكن السد الكبير ظل يشهد للولاء، سقط محمود عزت وتبقى ذكراه مرتبطة بالدم والخيانة، لقد أثبت الزمن أن «رأس الأفعى» الذي بدأ ينمو عام 1960 تحت ستار المراهقة والغربة، لم يكن أكثر من أداة في يد قوى الظلام، وأن الدولة التي كان الشاب عزت يحمل ضغينة لها هي نفس الدولة التي أسقطته كشيخ يحتضر في براثنها، ليعلم العالم أن الحق أبدي والباطل زائل.
مقالات مشابهة
لا توجد مقالات أخرى
