
شهدت الأوساط الشعبية مؤخراً حالة من الغضب العارم والرفض التام لتوصيات الدراسة الاكتوارية للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، والتي صدرت متضمنةً مقترحات برفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، وزيادة مدة الاشتراك المطلوبة لاستحقاق المعاش إلى 360 شهراً، وهي توصيات لاقت رفضاً شعبياً واسعاً جملةً وتفصيلاً.
لا خلاف على أن استدامة صندوق الضمان الاجتماعي تُعد ضرورة وطنية قصوى، فهو يمثل شبكة الأمان الاجتماعي الحيوية لمئات الآلاف من الأسر في حاضرنا ولأجيال قادمة، لكن أي إصلاح مالي بهذا الحجم يجب أن يُقاس ليس فقط بميزان الأرقام والجداول المالية، بل بميزان العدالة الاجتماعية وكفاءة الإدارة والتشغيل.
على الرغم من أن رفع سن التقاعد وتشديد شروط الاستحقاق قد يعززان التوازن المالي للصندوق على المدى الطويل، إلا أن أثرهما الاجتماعي يستحق نقاشاً معمقاً وواسعاً، فبقاء العاملين لفترة أطول في سوق العمل يحدّ بشكل ملحوظ من تدفق الفرص المتاحة أمام فئة الشباب، خاصة في الاقتصادات التي تعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة، كما أن اشتراط 30 عاماً من الاشتراك يثقل كاهل أصحاب المهن الشاقة، وكذلك من يدخلون سوق العمل في سن متأخرة، فالإصلاح المالي مطلوب وضروري، لكن ليس بالضرورة أن يكون طريقه الوحيد عبر تحميل المشتركين أعباءً إضافية جديدة.
جوهر الإشكالية الراهنة يكمن في قصور الحوكمة وفعالية إدارة الأصول، فمؤسسة الضمان الاجتماعي تدير محفظة استثمارية تُقدر بمليارات الدنانير، وتسمح طبيعة التزاماتها طويلة الأجل بالاستثمار في مشاريع إنتاجية مستدامة وذات قيمة مضافة، بدلاً من الاكتفاء بالأدوات التقليدية ذات العائد المنخفض، إن تحسين كفاءة الاستثمار قد يحقق أثراً مالياً يعادل أو يتجاوز أثر رفع سن التقاعد، ولكن بكلفة اجتماعية أقل بكثير.
مقترح بنك وطني للضمان الاجتماعي
في هذا السياق، يمكن التفكير بجدية في تأسيس بنك وطني مملوك بالكامل للضمان الاجتماعي، على أن يعمل هذا البنك وفق أسس مصرفية بحتة، ويخضع لرقابة البنك المركزي ومعايير كفاية رأس المال الدولية الصارمة، إن قاعدة المشتركين في الضمان، بما يمتلكونه من رواتب منتظمة واقتطاعات شهرية، تشكل محفظة ائتمانية ذات مخاطر منخفضة نسبياً، وهذا يتيح توجيه التمويل بفاعلية نحو قطاعات اقتصادية مستقرة ومُجدية، كبرامج الإسكان الموجهة للمشتركين، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلاسل إنتاج حقيقية وذات قيمة مضافة.
ضمانات الاستقلالية والكفاءة
لضمان عدم تحول هذا البنك المقترح إلى مجرد أداة للتمويل السياسي أو منفذ لمشاريع غير مجدية، يجب تحصينه قانونياً بضمانات استقلالية كاملة، وأن يتم تعيين مجلس إدارته بناءً على معايير مهنية صارمة وشفافة، مع فرض حظر تام على تمويل أي جهة حكومية إلا وفق أسس تجارية خالصة ومربحة، كما ينبغي تحديد سقف واضح لنسبة مساهمة الضمان الاجتماعي في رأس مال البنك من إجمالي أصوله، وذلك لضمان التنويع الفعال للمحافظ الاستثمارية ومنع تركز المخاطر، فالهدف الأسمى ليس المغامرة بأموال المتقاعدين، بل الانتقال من دور المستثمر السلبي المعتمد على السندات إلى دور المستثمر المنتج والفاعل في الاقتصاد الحقيقي.
التوازن بين الأصول والالتزامات
تتوافق هذه المقاربة بشكل جوهري مع مبدأ التوازن المطلوب بين الأصول والالتزامات، فبما أن التزامات الضمان الاجتماعي تتميز بطول أمدها، فمن المنطقي والطبيعي أن تكون استثماراته أيضاً طويلة الأجل ومدرة للدخل بانتظام، وهذا من شأنه أن يعزز العوائد المالية تدريجياً وبشكل مستدام، مما يقلل الحاجة الملحة لاتخاذ إجراءات قد تمس بشروط التقاعد أو حقوق المشتركين.
مشاريع تنموية إنتاجية مبتكرة
إلى جانب ما سبق، يمكن التفكير في تبني مشاريع تنموية إنتاجية أخرى تتم دراستها بعناية فائقة، كالمضي قدماً في تطوير مناطق زراعية وصناعية متكاملة في شرق المملكة، على سبيل المثال، شريطة أن تخضع هذه المشاريع لدراسات جدوى صارمة وشاملة، وأن تُدار من خلال هيئة مستقلة تتمتع بحوكمة عالية وشفافية مطلقة، وبالشراكة الحقيقية والفاعلة مع القطاع الخاص، إن الاعتراف الصريح والواقعي بالمخاطر المحتملة، سواء المتعلقة بالتكلفة، أو البنية التحتية، أو توفر الموارد، يُعد شرطاً أساسياً وجوهرياً قبل اتخاذ أي قرار استثماري، وذلك لضمان عدم تحول هذه المبادرات الطموحة إلى أعباء إضافية جديدة على الصندوق أو على الدولة.
جوهر الإصلاح ومستقبل الضمان
إن الإصلاح الحقيقي والعميق يبدأ من استقلالية القرار الاستثماري لمؤسسة الضمان، ومن الشفافية التامة في الدراسات الاكتوارية، وربط أي تعديل تشريعي مقترح بتقييم شامل يأخذ بعين الاعتبار البعدين المالي والاجتماعي معاً، فالتقاعد ليس مجرد معادلة حسابية بسيطة بين إيراد ومصروف، بل هو عقد اجتماعي عميق يعكس مدى ثقة المواطن بمؤسسات دولته ووعودها، إن استدامة الضمان الاجتماعي تمثل هدفاً وطنياً جامعاً لا يمكن الاختلاف عليه، لكن الطريق إلى تحقيق هذه الاستدامة لا يجب أن يقتصر حصراً على رفع سن التقاعد، بل يمكن تحقيقها عبر تحسين الحوكمة الرشيدة، وتعظيم العائد الاستثماري، وتنويع الأصول بذكاء وحكمة، مما قد يوفر حلولاً أكثر توازناً وإنصافاً، تحفظ حق المواطن وتدعم استقرار الدولة وازدهارها في آن واحد.
