
نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار في المقال التالي: توطين التجارب السريرية في السعودية ضرورة صحية واقتصادية، اليوم الخميس 29 يناير 2026 03:51 صباحاً.
عزيزي القارئ، تخيل أن هناك دواء جديد يمكن أن يغير حياة عدد كبير من المرضى في السعودية في وقت مبكر، لكنه يبقى محجوزًا في تقارير ودراسات علمية خارج البلاد، ولا يصل إلى المستشفى الذي تتلقى فيه أنت أو أحد أفراد عائلتك العلاج، هنا يأتي دور التجارب السريرية؛ فهي الجسر الذي ينقل العلاج من الاختبارات في المعمل إلى سرير المريض في المستشفى، في السعودية، لم يعد الحديث عن توطين التجارب السريرية مجرد شعارٍ جميل، بل أصبح جزءًا أساسيًا من رؤية المملكة 2030 ومن الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، التي تهدف إلى جعل المملكة مركزًا إقليميًا وعالميًا في اللقاحات والعلاجات المبتكرة والطب الدقيق.
أهمية إجراء التجارب السريرية محليًا
عندما تُجرى التجارب السريرية داخل المملكة، وبإشراف باحثين سعوديين، وعلى مرضى مواطنين، تكون النتائج أكثر دقةً، لأنها تأخذ في الاعتبار نمط الحياة، والبيئة، والخصائص الجينية، وانتشار الأمراض في مجتمعنا، توطين التجارب السريرية يعني أيضًا أن المواطن السعودي يمكن أن يحصل على فرصة الوصول إلى علاج جديد مبتكر قبل طرحه تجارياً بس করেন، وبشكل منظم وتحت مراقبة طبية دقيقة ولجان أخلاقيات تحمي حقوق المشارك وتضمن سرية معلوماته، لذلك، لم تعد التجارب السريرية في السعودية رفاهية علمية، بل أصبحت مسارًا إلزاميًا إذا أردنا أن نرى نتائج الأبحاث تتحول إلى أدوية حقيقية في عياداتنا ومستشفياتنا.
مبادرات مركز الملك عبدالله للأبحاث الطبية
من هذا المنطلق، أطلق مركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية (كيمارك) مبادرات مهمة لتقوية هذا الجسر بين البحث والعلاج، حيث يطمح المركز لإشراك عدد كبير من المرضى السعوديين خلال السنوات القادمة في بروتوكولات علاجية متقدمة، وخلق عدد كبير من الوظائف في مجالات مثل البحث السريري، والتمريض، والصيدلة السريرية، وإدارة البيانات، كما يستهدف رفع عدد التجارب السريرية بشكل كبير، حتى تصبح المملكة لاعبة رئيسية في خريطة التجارب السريرية العالمية، وليس مجرد متلقٍ لنتائج دراسات أجريت في دول أخرى.
إنشاء المعهد الوطني لأبحاث الصحة
لتنظيم هذا الحراك الكبير، تم إنشاء المعهد الوطني لأبحاث الصحة (Saudi NIH) في عام 2023 ليكون المظلة الوطنية التي تنسق البحوث الانتقالية والتجارب السريرية، هذا المعهد يوجه التمويل نحو أولويات صحية تهمك بشكل مباشر، مثل أمراض القلب، والسرطان، والسكري، والأمراض النادرة، والوراثية، ويشترط أن تتوافق المشاريع مع رؤية 2030 ومعايير الجودة الدولية، بهذا الشكل، لا تبقى الأبحاث جهودًا متفرقة في جامعات ومستشفيات متعددة، بل تتحول إلى مسار موحد يخدم الصحة العامة ويترجم النتائج إلى بروتوكولات علاجية وسياسات صحية يمكن تطبيقها في مستشفيات المملكة.
نمو التجارب السريرية والسوق المحلي
تشير التقارير إلى أن عدد التجارب السريرية النشطة في السعودية تجاوز في السنوات الأخيرة حاجز أربعمئة تجربة، مع سوق يقدر بحوالي مئتي مليون دولار سنويًا، وهو رقم مرشح للنمو مع دخول شركات أدوية عالمية وشركات تقنية حيوية ناشئة تستفيد من البيئة التنظيمية المتقدمة في المملكة، فقد تبنت هيئة الغذاء والدواء السعودية لوائح متوافقة مع معايير ICH-GCP العالمية، وألزمت الشركات بالإبلاغ عن أي آثار جانبية خطيرة حول العالم، مما يعزز ثقة الشركات الدولية في جودة الرقابة وسلامة المرضى هنا، ويدفعهم لإدخال المواقع السعودية ضمن خططهم العالمية.
التوجهات الاقتصادية لتوطين التجارب السريرية
من الناحية الاقتصادية، يرتبط هذا التوجه مباشرةً بالاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، التي تستهدف خلق آلاف الوظائف المتخصصة ومساهمة كبيرة في الناتج المحلي غير النفطي خلال السنوات القادمة، هذه الاستراتيجية تبني سلسلة متكاملة تشمل اللقاحات، والتصنيع الحيوي، والطب الجينوم، والعلاجات المتقدمة مثل العلاج الجيني والخلايا المعدلة (CAR-T)، ولكي تكتمل هذه السلسلة، يجب أن يكون لدينا القدرة الوطنية على تصميم وإدارة التجارب السريرية داخل المملكة، حتى لا نعتمد بالكامل على الخارج في اختبار الأدوية التي سنستخدمها في النهاية.
التحديات المقبلة
على الرغم من هذا التقدم الكبير، لا يزال أمامنا الكثير من العمل؛ فهناك حاجة إلى مزيد من تدريب الكوادر على تصميم الدراسات، وإحصاءاتها، وإدارة البيانات، والالتزام بالمعايير الأخلاقية الدولية، بالإضافة إلى نشر الوعي المجتمعي بأهمية المشاركة الطوعية في التجارب السريرية، وشرح الضمانات التي تحمي حقوق المشارك، كما أن معظم التجارب ما زالت مركزة في المدن الكبرى، مما يتطلب توسيع الشبكات لتشمل المستشفيات في المناطق الأخرى، حتى لا يبقى الوصول إلى العلاجات المبتكرة مقتصرًا على فئة محدودة من السكان.
رؤية مستقبلية لتوطين التجارب السريرية
في الختام، يمكنك أن تنظر إلى توطين التجارب السريرية في السعودية على أنه مشروع يجمع بين قلبك وعقلك في آن واحد؛ قلبك لأن الهدف الأول هو مصلحة كل مريض أو مواطن يرغب في رعاية صحية أفضل وأكثر عدالة، وعقلك لأنه مشروع سيادي اقتصادي يبني صناعة دوائية وتقنية حيوية وطنية، تعزز الأمن الصحي وتدعم تنويع الاقتصاد، ومع استمرار الاستثمار في المعهد الوطني لأبحاث الصحة، وكيمارك، ومستشفى الملك فيصل التخصصي، والهيئة العامة للغذاء والدواء، والجامعات والمراكز البحثية، ومع توسع الشراكات الدولية، تبدو المملكة في طريقها لتكون نموذجًا لدولة استطاعت تحويل التجربة السريرية من نشاط هامشي محدود إلى ركيزة أساسية من ركائز سيادتها الصحية وحضورها العلمي على مستوى العالم، وهذا ينعكس بشكل إيجابي على جودة حياتك وحياة من تحب.
nabilalhakamy@
