
بقلم – طارق محمود نوابليس الطقس ليس مجرد خبرٍ عابر في نشرة المساء، ولا مجرد رقم يُختصر بين درجةٍ صغرى وعظمى، بل هو حالة نفسية، وذاكرة متحرّكة، ورسالة يومية يكتبها الكون بلغةٍ لا تُكذَّب، نستيقظ عليه قبل أن نستيقظ على أنفسنا، فإمّا صباحٌ يفتح الروح كما تُفتح النوافذ، أو نهارٌ ثقيل يذكّرك بأن في الصدر فصولًا لم تُرتب بعد. فالطقس هو المعلّم الصامت، يعلّمنا أن لا شيء يدوم على حاله، وأن الغيم مهما طال لا يُقيم إلى الأبد، وأن الشمس لا تحتاج إذنًا لتعود. ففي المطر شيءٌ يشبه الاعتراف، يهبط بلا ضجيج، يغسل الأرصفة كما يغسل القلوب، ويعيد للأماكن ذاكرتها الأولى. ليس عبثًا أن يحنّ الإنسان للمطر، ففيه وعدٌ خفي بأن البداية ممكنة، وأن ما جفّ يمكن أن يزهر من جديد. أمّا الحرّ، فليس قسوة فقط، بل هو امتحان الصبر، واختبار التحمل، ودرسٌ قاسٍ في معرفة حدودك وحدود احتمالك. تحت الشمس الحارقة، تتعرّى الأقنعة، وتظهر المعادن الحقيقية، فمن يصمد، ومن يشتكي، ومن يحوّل التعب إلى طاقة تمضي به للأمام. والبرد ليس انخفاضًا في الحرارة فحسب، بل انعزالٌ مؤقت، يدعوك للهدوء، للتأمل، للجلوس مع ذاتك كما تجلس قرب مدفأة صغيرة تحميك من ضجيج الخارج. ففي البرد نتقن الإصغاء، ونفهم أن الدفء ليس في الجو فقط، بل في القرب، وفي الكلمة، وفي حضور من نحب. فالطقس يغيّر المدن كما يغيّر الناس، والمدينة تحت المطر ليست هي ذاتها تحت الشمس، والشارع في العاصفة غيره في الهدوء. حتى الوجوه لها طقسها الخاص، وجهٌ مشرق كنهار صافٍ، وآخر عابس كسماء ملبّدة، وثالث متقلّب لا يُؤتمن كريح تغيّر اتجاهها دون إنذار. فنراقب الطقس، لكن الحقيقة أنه يراقبنا أيضًا، يختبر ردود أفعالنا، ويقيس قدرتنا على التكيّف، ويذكّرنا كل مرة أننا لسنا سادة المشهد كما نظن، بل جزء صغير من منظومة كونية دقيقة ومتوازنة، ولا يخطئ حسابه. وحين نختلف مع بعضنا، يكفي أن نتأمل الطقس لندرك الحكمة، فالسماء نفسها تتغيّر، فكيف نطلب من البشر الثبات المطلق؟ الاختلاف سنة، والتحوّل قانون، والجمود هو الاستثناء الوحيد الذي لا ينجو طويلًا. فالطقس لا يُجامل، ولا يعتذر، ولا يشرح نفسه؛ يأتي كما هو، ويترك أثره، ثم يمضي، وهكذا هي الحياة لمن فهمها جيدًا. ربما لهذا السبب نلجأ للحديث عن الطقس حين نعجز عن وصف ما بداخلنا، لأن الطقس يقول ما لا نعرف كيف نقوله، ويعبر عمّا نشعر به دون أن يجرح، أو يبرّر، أو يدّعي. وفي النهاية، ليس السؤال كيف سيكون الطقس غدًا؟ بل كيف سنكون نحن، مهما كان الطقس؟ فهل سنُحسن التكيّف؟ وهل نعرف متى ننتظر، ومتى نمضي؟ وهل ندرك أن أجمل الفصول قد تبدأ من داخلنا، لا من السماء؟ فالطقس… مرآة الحياة، حين نقرأه بعمق، نفهم أنفسنا أكثر.
