حل المجلس الانتقالي: تحول مفصلي يرسم ملامح المشهد الجنوبي الجديد

حل المجلس الانتقالي: تحول مفصلي يرسم ملامح المشهد الجنوبي الجديد

يشهد المشهد السياسي في الجنوب اليمني تحولًا محوريًا، مع الإعلان الرسمي عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي وكافة هيئاته وأجهزته الأساسية والفرعية، وإغلاق جميع مكاتبه داخل اليمن وخارجه، وهي خطوة تعكس وعيًا سياسيًا متقدمًا ومسؤولية وطنية عالية في مواجهة تعقيدات المرحلة الراهنة.

نضج سياسي واستعداد للتوافق

يُعد هذا القرار بمثابة تجسيد حقيقي لنضج سياسي عميق، إذ يعكس حرص المكونات الجنوبية المتعددة على تغليب المصلحة العامة، ويقدم نموذجًا يحتذى به في التعامل الإيجابي مع المتغيرات الإقليمية والدولية، مما يضمن صيانة وحدة الصف الجنوبي وحماية مكتسباته الوطنية.

في هذا السياق، برز الدور المحوري لأعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي الذين توجهوا إلى الرياض، وعقدوا اجتماعًا حاسمًا، واتخذوا هذا القرار الجريء، الذي يحمل دلالات عميقة على التزامهم الثابت بروح المسؤولية، وإيمانهم الراسخ بأهمية التوافق، وتقديم مصلحة الجنوب اليمني فوق أي اعتبارات أخرى، كما يؤكد هذا الحراك عمق العلاقة التاريخية والمتجذرة بين الجنوب والمملكة العربية السعودية، والثقة المتبادلة في المسارات السياسية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي.

يمثل هذا القرار رسالة واضحة لا لبس فيها، تؤكد امتلاك المكونات الجنوبية، بمختلف أطيافها السياسية والاجتماعية، للقدرة على اتخاذ قرارات مصيرية في اللحظات الحساسة، مستندة إلى روح وطنية جامعة، بعيدًا عن أي ممارسات إقصائية أو انقسامية، مما يعزز بشكل كبير فرص تحقيق توافق شامل ومستدام.

أفق جديد: نحو حوار جنوبي شامل ومستقبل مستقر

تتجه الأنظار في المرحلة القادمة بترقب إلى مسار الحوار الجنوبي الشامل، الذي يُعد الإطار الجامع والأساس المتين لبلورة رؤية مشتركة، تعبر عن طموحات أبناء الجنوب وتطلعاتهم المشروعة، وتحافظ على حقوقهم، وتؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة البناءة، والتفاهم المتبادل، والعمل المؤسسي الفعال.

تبرز كذلك الأهمية الاستراتيجية للدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في رعاية هذا المسار الحيوي، الأمر الذي يعكس حرصها الدائم على دعم الحلول العادلة والمستدامة، وتهيئة المناخ السياسي الملائم لحوار شامل يضمن مشاركة كافة القوى والمكونات الجنوبية الفاعلة، ضمن إطار عمل يحافظ على الاستقرار ويعزز الأمن ليس في اليمن فحسب، بل في المنطقة بأسرها.

يمكن وصف المرحلة الحالية بأنها تتطلب أعلى درجات الحكمة والتبصر، والمسؤولية الوطنية المشتركة، والتكاتف الفعال، لضمان حماية الإنسان والمجتمع، وصون الأمن والاستقرار، والحفاظ على كيان المؤسسات، وتجنب أي مسارات محتملة قد تؤدي إلى الفوضى أو الاضطراب.

يؤكد هذا التحول الجوهري أن الجنوب اليمني يمتلك من الوعي والإمكانات ما يؤهله لصياغة مستقبله بخطى ثابتة عبر الحوار البناء، والتفاهم المشترك، وتغليب منطق الدولة والمؤسسات، في مشهد يعكس طموحًا جماعيًا واسعًا نحو تحقيق الاستقرار الشامل والتنمية المستدامة.