خالد محمود يكتب: لننتظر «الست» قبل أن نصدر الأحكام

خالد محمود يكتب: لننتظر «الست» قبل أن نصدر الأحكام








نشر في:
السبت 29 نوفمبر 2025 – 7:54 م
| آخر تحديث:
السبت 29 نوفمبر 2025 – 7:55 م

في الآونة الأخيرة، بدأت أتابع ما يُثار حول فيلم الست، بنفس القدر من الدهشة الذي يعتريني كلما شاهدت كيفية تعامل الجمهور مع أي محاولة للاقتراب من رموزنا الفنية الكبرى، موجة من الأحكام، تعليقات حادة، مواقف قاطعة، وكل هذا قبل عرض لقطة واحدة من الفيلم، وكأننا نعيش في زمن أصبحت فيه الصورة المتداولة أهم من العمل ذاته، والانطباع أسرع من الرؤية.

ورغم أنني لست ممن يوزّعون صكوك البراءة الفنية لأحد، فإنني أؤمن بشيء واحد، وهو أنه لا يجوز لنا أن نحكم على فيلم لم نشاهده بعد، بل إن التجربة علّمتني أن العديد من الأعمال التي سبقها هجوم، خرجت لتثبت أن الحكم المسبق لم يكن أكثر من ضجيج مؤقت.

منى زكي… ولماذا الهجوم قبل المشاهدة؟

وسط كل ما قيل وما كُتب، شعرت أن الهجوم الذي طال الفنانة منى زكي ليس فقط مبكرًا، بل ينقصه قدر من الإنصاف، فهي ليست ممثلة طارئة على الساحة، بل تمتلك تجربة طويلة واشتباك دائم مع الأدوار المركّبة، وقد اختارت أصعب الفنون: تجسيد شخصية يعرفها كل عربي عن ظهر قلب، فهذه مهمة ليست سهلة، وليس من الضروري أن تكون النسخة المطابقة لأم كلثوم، فالفن ليس مجرد بحث عن “شبه” بقدر ما هو بحث عن روح.

نعم، قد نختلف بعد مشاهدة الفيلم، وقد نرى أن الأداء لم يكن على قدر التوقعات، وهذا حقنا تمامًا، لكن ما ليس حقًا لنا هو أن نُطلق الحكم قبل أن نرى.

مروان حامد… وهل يخشى على رمزية أم كلثوم؟

من جهة أخرى، فإن تجربة المخرج مروان حامد لا تسمح لي، ولا لغيري، بأن أتعامل مع الفيلم بخفة، فهو مخرج يعرف طريقه جيدًا من حيث الصنعة، والخيال، والقدرة على بناء عالم بصري له نبرة خاصة، كل من تابع أعماله يدرك أنه لا يضع اسمه على مشروع لا يُؤمن به، فكيف إذا كان العمل عن أم كلثوم، أيقونة الفن العربي وصوت القرن؟، أثق أن مروان يُدرك حساسية الاقتراب من هذه القامة الفنية، ويعرف أن تقديم فيلم عنها ليس مجرد مغامرة سينمائية، بل مسؤولية ثقافية تجاه تاريخ فنّي لا نملك الترف في أن نفقده أو نتركه للصدفة.

لماذا نحتاج فيلمًا عن أم كلثوم؟

ربما نغفل أحيانًا أن الأجيال الجديدة لم تَعِش زمن أم كلثوم، تعرف الأغاني، نعم، لكنها لا تعرف المرأة، ولا الرحلة، ولا الوجع والعمل والصبر خلف هذا المجد، لذلك فإن فيلمًا سينمائيًا عنها ليس ترفًا فنيًا، بل هو محاولة لإعادة تقديم رمزٍ يستحق أن يُروى، وأن يُعاد اكتشافه من جديد.

تجارب عالمية تكشف حجم التسرع

وتجربتنا ليست استثناءً، في جميع أنحاء العالم، تعرضت ممثلات عالميات لهجوم قاسٍ لمجرّد الإعلان عن تجسيدهن شخصيات أسطورية، حيثُ تعرضت ماريون كوتيار قبل لعب دور إديث بياف لهجوم مشابه، وليست ظاهرة الحكم المسبق حكرًا على العالم العربي، بل هي جزء طبيعي من استقبال أي عمل لسيرة ذاتية، فمن تجارب السينما العالمية ما يوضح ذلك:

  • عند الإعلان عن اختيار ماريون كوتيار لتجسيد إديث بياف، في فيلم La Vie en Rose، اعتبر البعض أنها لا تمتلك أي شبه جسدي أو صوتي مع الأسطورة الفرنسية، لكن النتيجة كانت أداءً استثنائيًا منحها جائزة الأوسكار وأعاد بياف إلى الواجهة العالمية.
  • ميشيل ويليامز قبل تجسيد مارلين مونرو، في فيلم My Week with Marilyn، تعرضت لانتقادات واسعة قبل العرض بسبب اختلاف ملامحها، لكن أثنى النقاد على الأداء النفسي العميق الذي قدمته، ورُشحت للأوسكار.
  • رامي مالك قبل أداء فريدي ميركوري في فيلم Bohemian Rhapsody، واجه اعتراضات بسبب شكله ونبرة صوته، ومع ذلك أصبح الفيلم من أكثر أفلام السير الذاتية نجاحًا، وفاز مالك بجائزة الأوسكار.
  • آنا دي أرماس – Blonde (مارلين مونرو مرة أخرى)، قبل عرض الفيلم، شكك كثيرون في قدرتها على تجسيد مارلين، لكن بعد عرض الفيلم، اعتُبر أداؤها من أكثر الأداءات إثارة للجدل والقوة في نفس الوقت.

هذه الأمثلة تبيّن أن الحكم الحقيقي يبدأ بعد المشاهدة، لا قبلها، وفي كل مرة، يعود الجمهور ليعترف أن الحكم كان سابقًا لأوانه.

أخيرًا… دعوا الفيلم يُعرض ثم احكموا

أقولها بوضوح، لستُ في موقع المدافع عن فيلم لم أشاهده بعد، ولا يهمني إن انتهيت إلى الإعجاب أو النقد أو الرفض، لكن ما يهمني حقًا هو أن نتحرر من ثقافة إصدار الأحكام المسبقة، ونعطي العمل حقه من المشاهدة قبل أن نضعه في خانة النجاح أو الفشل، إن الجدل حول فيلم الست طبيعي ومفهوم، لكنه لا يجب أن يتحول إلى عائق أمام الإبداع، فالأعمال العظيمة كثيرًا ما وُلدت وسط ضجيج، لكن التاريخ لا يتذكر الضجيج، بل يتذكر الإبداع، أم كلثوم تستحق مشاهدة عادلة، ومنى زكي تستحق فرصة، ومروان حامد يعرف جيدًا ماذا يفعل، فلننتظر الست، ثم نتكلم.

هذا المقال لا ينتمي لأي تصنيف.