دراما المتحدة رمضان 2026 – وثائق سرية ومغامرات تتخطى المناطق الآمنة

دراما المتحدة رمضان 2026 – وثائق سرية ومغامرات تتخطى المناطق الآمنة

تعكس القائمة النهائية لمسلسلات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في رمضان 2026 جهودًا واضحة لإعادة صياغة سوق الدراما، من خلال توزيع استراتيجي للأدوار، حيث تكشف الخريطة البرامجية عن توجه لتقسيم “كعكة” الموسم الدرامي بين إنتاجات الشركة المباشرة، التي تركز على الملفات السياسية والوطنية، وبين الاستحواذ على حقوق عرض أعمال شركات الإنتاج الخاصة، التي تستهدف الجمهور الباحث عن الترفيه الاجتماعي والتشويق، تشير هذه الاستراتيجية إلى رغبة في الهيمنة على جميع شرائح المشاهدين، بدءًا من المهتمين بالشأن العام، مرورًا بالطبقة الوسطى المستهلكة للدراما الاجتماعية، وصولًا إلى الجيل الجديد المرتبط بمنصات التواصل الاجتماعي.

أولاً: ثلاثية التوثيق السياسي والأمني.. الدراما كوثيقة تاريخية

تواصل الشركة المتحدة، عبر أذرعها الإنتاجية، مشروعها الاستراتيجي في توظيف القوة الناعمة لتوثيق اللحظات التاريخية وصياغة السردية الوطنية، وتتميز أعمال هذا العام بانتقالها من مرحلة “رد الفعل” وتوثيق الماضي، إلى مرحلة “الاشتباك” مع الراهن الإقليمي والمحلي، يأتي مسلسل «صحاب الأرض» في طليعة هذه الأعمال، إذ يمثل حالة فنية فريدة تتجاوز حدود الدراما التقليدية لتصبح وثيقة سياسية وإنسانية داعمة للقضية الفلسطينية، العمل الذي صاغ السيناريو الخاص به الكاتب عمار صبري ويخرجه بيتر ميمي، يختار بذكاء الابتعاد عن الخطابة السياسية المباشرة، ليركز على الجانب الإنساني العميق. وتتجلى القيمة الفنية للعمل في اختياره لزاوية نظر مزدوجة؛ الأولى عبر شخصية “سلمى شوقي” (النجمة منة شلبي)، الطبيبة المصرية التي تعمل تحت القصف في غزة، والثانية عبر شخصية الرجل الفلسطيني (النجم إياد نصار) الذي يجسد غريزة البقاء والتمسك بالأرض، هذا التناول يمنح العمل مصداقية عالية، خاصة مع الاستناد إلى أصول إياد نصار الفلسطينية الأردنية التي تمنحه مساحة للتعبير بصدق عن الوجع الداخلي، ويُحسب للشركة المتحدة هنا توظيف الدراما كأداة لفضح الانتهاكات وتوثيق الدور المصري في إفشال مخططات التهجير.

وبالتوازي، يستكمل أمير كرارة مسيرته في “دراما الوعي” عبر مسلسل «رجال الظل: عملية رأس الأفعى»، يمثل هذا العمل تطورًا نوعيًا في معالجة ملفات الأمن القومي، حيث ينتقل النص الذي كتبه هاني سرحان ويخرجه محمد بكير من ساحات المعارك المفتوحة إلى “حرب العقول” والغرف المغلقة، وتكمن نقطة الثقل الدرامي في هذا الجزء في “تشخيص العدو”، حيث يلعب الفنان شريف منير دور القيادي الإخواني “محمود عزت”، هذا الخيار يضع العمل في منطقة التوثيق التاريخي الدقيق للصراع ضد قوى الظل التي تهدد أمن الوطن، مع عودة لافتة للفنانة الكبيرة ماجدة زكي التي تضفي بعدًا اجتماعيًا يوازن حدة الصراع الأمني.

وفي سياق التوثيق التاريخي المغلف بالترفيه، يأتي الجزء الثاني من مسلسل «النص» بعنوان «النص التاني»، بطولة أحمد أمين، ونجوم الجزء الأول أسماء أبواليزيد، صدقي صخر، حمزة العيلي، سامية الطرابلسي، ميشيل ميلاد، وتعد الفنانة بسمة أحدث المنضمين إلى أبطال الجزء الثاني من العمل، ويختار صناع العمل (تأليف ورشة تضم عبدالرحمن جاويش وشريف عبدالفتاح ووجيه صبري، وإخراج حسام علي) حقبة الحرب العالمية الثانية مسرحًا للأحداث، مستخدمين الكوميديا كأداة ذكية لتمرير قصص المقاومة الشعبية وألعاب الجاسوسية المزدوجة، هذا المزج بين التاريخ والكوميديا يضمن وصول الرسائل الوطنية لشريحة واسعة من الجمهور قد تنفر من الأعمال التوثيقية الجادة.

ثانياً: تفكيك «الأنا» الفنية.. استراتيجية إعادة التموضع للنجوم

يفرض الموسم الرمضاني الحالي تحديات فنية دفعت كبار النجوم، بدعم من شركات الإنتاج، إلى مغادرة مناطقهم الآمنة وخوض مغامرات تمثيلية تعيد تشكيل صورتهم الذهنية لدى الجمهور، يخوض النجم ياسر جلال تجربة شديدة الخصوصية في مسلسل «كلهم بيحبوا مودى» (إنتاج مها سليم، تأليف أيمن سلامة، إخراج أحمد شفيق، وبطولة ميرفت أمين، أيتن عامر، مصطفى أبوسريع، هدى الإتربي، وجوري بكر)، يغادر جلال بجرأة مساحة “البطل الشعبي الأسطوري” أو التراجيديا التاريخية التي ميزت أعماله الأخيرة وآخرها “جودر”، ليقدم كوميديا اجتماعية حول رجل أعمال ثري يواجه الإفلاس وانهيار عالمه المترف، هذا التحول نحو “اللايت كوميدي” يعكس رغبة الفنان والشركة المنتجة في توسيع القاعدة الجماهيرية وتقديم محتوى ترفيهي ذكي يناقش قضايا الثروة والسلطة من منظور ساخر.

وعلى نفس الدرب، يتجه النجم مصطفى شعبان نحو منطقة درامية جديدة في مسيرته عبر مسلسل «درش» (إنتاج سينرجي، تأليف محمود حجاج، إخراج أحمد خالد أمين وبطولة سهر الصايغ، رياض الخولي، سلوى خطاب، جيهان خليل، أحمد فؤاد سليم، محمد علي رزق وغيرهم)، يبتعد شعبان تمامًا عن تيمة “الرجل المزواج” أو “البطل الشعبي” التقليدي، ليغوص في دراما نفسية مركبة حول شخصية “عامل عطارة” يكتشف أنه عاش حياة مزدوجة، هذا الطرح يضع شعبان أمام اختبارات أدائية معقدة تتطلب التعبير عن التناقضات الداخلية والغموض، مما يؤشر لمرحلة نضج فني جديدة للنجم الجماهيري.

وتكتمل منظومة التجديد بعودة يوسف الشريف بعد غياب أربع سنوات عبر مسلسل «فن الحرب» (إنتاج أروما، تأليف عمرو سمير عاطف، إخراج محمود عبدالوهاب)، يختار الشريف التخلي عن الخيال العلمي المستقبلي الذي ميز “كوفيد 25” و”النهاية”، لصالح دراما اجتماعية بوليسية مشوقة، تدور القصة حول فنان يتحول للانتقام بعد تورط والده في قضايا فساد، في حبكة تعتمد على “لعبة العقول” والإثارة النفسية، وهو ما يضمن استقطاب الشريحة الشبابية التي تفضل هذا النمط من السرد السريع. وفي مقابل هذا التجديد، يأتي أحمد العوضي ليلعب على المضمون بالاستمرار في تقديم تيمة “البطل الشعبي” في مسلسله «علي كلاي» (تأليف محمود حمدان، إخراج محمد عبدالسلام، وبطولة درة، يارا السكري، محمد ثروت، عصام السقا، انتصار وغيرهم)، ويدمج العوضي هنا بين الشعبية والرياضة، مجسدًا شخصية ملاكم في حي حلوان يدير دار أيتام، هذا المزج الذي ربما يمنح الشخصية أبعادًا إنسانية واجتماعية تخرجها من حيز “البلطجة” أو الصراع الجسدي المجرد، لتقدم نموذجًا للبطل الشعبي الإيجابي.

ثالثاً: سوسيولوجيا العصر الرقمي وتمكين الهامش

في محاولة لرصد تحولات المجتمع المصري، تستمر الأعمال الدرامية هذا العام في إفساح المجال لمناقشة قضايا العالم الرقمي وصعود فئات اجتماعية جديدة، يمثل مسلسل «بيبو» (إنتاج ميديا هب) ذروة الاعتراف المؤسسي بسطوة “التريند” وثقافة المهرجانات، إذ يسند دور البطولة المطلقة لصانع المحتوى “كزبرة”، ويكمن ذكاء الخطوة في توفير حاضنة فنية رصينة للتجربة، تتمثل في نص لتامر محسن وإخراج أحمد شفيق، ومشاركة نجوم بحجم هالة صدقي وسيد رجب، يناقش العمل رحلة صعود شاب بسيط يصطدم بالواقع، في معالجة درامية تسعى لاحتواء جمهور المنصات الرقمية وتقديم محتوى يلامس طموحاتهم بلغة تشبههم.

وفي زاوية مقابلة، تشرح ريهام حجاج العالم السري للمؤثرين “الإنفلونسرز” في مسلسل «توابع» (إنتاج Appel، تأليف محمد ناير وإخراج يحيى إسماعيل وبطولة أسماء أبواليزيد، أنوشكا، محمد علاء، هاني عادل، وغيرهم)، يركز العمل المكون من 15 حلقة على الثمن النفسي للشهرة الرقمية، والصراع المرير بين الصورة البراقة المصدرة للجمهور والواقع الهش الذي تعيشه البطلة، هذا التناول النقدي لظاهرة “السوشيال ميديا” يعكس وعيًا بضرورة مناقشة أثر التكنولوجيا على الصحة النفسية للمجتمع. كما يحضر “طموح الهامش” بقوة في مسلسل «فخر الدلتا» (قصة عبدالرحمن جاويش، إخراج هادي بسيوني وبطولة كمال أبورية، انتصار، أحمد عصام السيد، خالد زكي وغيرهم)، يتتبع العمل رحلة شاب (يجسده الإنفلونسر أحمد رمزي) من إحدى قرى الدلتا إلى القاهرة لتحقيق حلمه في مجال الإعلانات، يطرح المسلسل إشكالية المركزية والبحث عن التحقق الذاتي، معتمدًا على طاقم شبابي يعكس روح المغامرة والطموح.

رابعاً: تشريح القلق الأسري والمظالم الصامتة «الدراما النفسية»

تتجه الدراما الاجتماعية هذا الموسم نحو مناطق أكثر عمقًا وتعقيدًا في العلاقات الإنسانية، متجاوزة الخلافات السطحية لتلامس الأزمات الوجودية وتفكك الروابط المقدسة، يفتح النجم ماجد الكدواني ملف “العدالة العائلية” في مسلسل «كان ياما كان» (إنتاج ماجيك بينز، تأليف شيرين دياب، إخراج كريم العدل وبطولة يسرا اللوزي وعارفة عبدالرسول ونهى عابدين وغيرهم)، يضع العمل المشاهد أمام مأزق أخلاقي لطبيب أطفال مرموق يجد نفسه عاجزًا عن حماية ابنته من تبعات صراعاته القانونية والشخصية، يتميز النص بالغوص في الجانب الهش للأب، طارحًا تساؤلات مؤلمة حول جدوى النجاح المهني في ظل الانهيار الأسري.

ويتقاطع هذا الطرح مع مسلسل «أب ولكن» (تأليف وإخراج ياسمين أحمد كامل ويشارك في البطولة هاجر أحمد وإسلام جمال وبسمة داود وغيرهم)، حيث يواجه محمد فراج اختبارات “الأبوة المستحيلة”، تدور الأحداث حول أزمة أسرية تقلب موازين حياة البطل، وتضعه أمام قرارات مصيرية تتعلق بمسؤوليته كأب، كلا العملين يؤكدان على اهتمام الدراما هذا العام بإعادة تعريف دور الأب وتشريح الضغوط الواقعة عليه.

وعلى جانب آخر، يسلط الضوء على “الألم الصامت” للمرأة في مواجهة المجتمع، حيث تقدم ريهام عبدالغفور في «حكاية نرجس» (إنتاج محمد مشيش، تأليف عمار صبري وإخراج سامح علاء وبطولة حمزة العيلي، تامر نبيل، سماح أنور، دنيا ماهر وغيرهم) معالجة هادئة وعميقة لقضية تأخر الإنجاب وتأثيرها المدمر على الاستقرار النفسي والزوجي، بينما ترصد جومانا مراد في «اللون الأزرق» مع الأبطال أحمد رزق، نجلاء بدر، أحمد بدير، كمال أبورية (إنتاج الباتروس، تأليف مريم نعوم وإخراج سعد هنداوي) معاناة الأمومة في ظل “التوحد” والغربة، حيث تواجه البطلة ضغوط الحياة مع طفل مصاب بالتوحد بعد عودة الأسرة من الخارج، تتميز كتابات مريم نعوم دائمًا بالقدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية الدقيقة، وهو ما يعد بتقديم دراما مؤثرة. كما تعود هند صبري للتعاون مع المخرج حسين المنباوي في مسلسل «منّاعة» (إنتاج المتحدة ستوديوز، تأليف عمرو الدالي، وبطولة رياض الخولي، أحمد خالد صالح، خالد سليم، مها نصار، كريم قاسم، وآخرين)، يستعيد العمل أجواء السبعينيات والثمانينيات في حي الباطنية، مقدمًا دراما شعبية تستند إلى قصص حقيقية، الرهان هنا ينصب على الحنين وعلى الكيمياء الفنية بين البطلة والمخرج التي أثمرت سابقًا عن نجاحات كبرى.

خامساً: جماليات التكثيف والمبارزات التمثيلية

تعتمد الخريطة الرمضانية تقنية “التكثيف الدرامي” عبر التوسع في إنتاج مسلسلات الـ15 حلقة، والاعتماد على البطولات الثنائية والمبارزات الأدائية لضمان إيقاع مشدود، يبرز مسلسل «فرصة أخيرة» (إنتاج المتحدة ستوديوز، تأليف محمود عزت، إخراج أحمد عادل سلامة) كنموذج مثالي لهذا الاتجاه، يجمع العمل القصير (15 حلقة) بين ممثلين كبيرين هما محمود حميدة وطارق لطفي في مواجهة أخلاقية وإنسانية، تدور القصة حول قاضٍ نزيه يواجه اختبارًا قاسيًا يهدد مبادئه، ما يضع الممثلين في حلبة تمثيل تعتمد على الأداء النفسي العميق بعيدًا عن الاستعراض.

وتشكل ثنائية عصام عمر وباسم سمرة في مسلسل «عين سحرية» (تأليف هشام هلال، إخراج السدير مسعود) رهانًا ذكيًا على التباين في المدارس الأدائية، يجمع العمل بين تلقائية عصام عمر وخبرة باسم سمرة في إطار من الغموض والتشويق، حيث يتورط فني كاميرات في جريمة تدفعه للتحالف مع محامٍ.

وختامًا، يعيد مسلسل «أولاد الراعى» (إنتاج فنون مصر، وتأليف ريمون مقار، مينا بباوي، وخالد شكري، ومحمود شكري، وطه زغلول، إخراج محمود كامل) الاعتبار للدراما الملحمية الكلاسيكية، جامعًا ماجد المصري وخالد الصاوي وأحمد عيد في صراع الإخوة الأعداء، يناقش العمل تحولات السلطة والمال وتأثيرها على الروابط الدموية، معتمدًا على طاقم تمثيلي ثقيل الوزن قادر على حمل عبء الصراعات النفسية المركبة.

يقدم موسم رمضان 2026 وجبة درامية دسمة ومتكاملة العناصر، تحاول من خلالها الشركة المتحدة تقديم تنوع شديد لإرضاء كافة الأذواق، فهي تنتج “الوثيقة السياسية” لترسيخ الوعي، وتشارك “القطاع الخاص” لتقديم الترفيه والدراما الاجتماعية، وتفتح الباب لـ “الشباب” في محاولة لتوثيق واقعه، وتشريح أزماته، وملامسة أحلامه.