
تبدأ بعثة صندوق النقد الدولي اليوم في القاهرة مناقشاتها مع الحكومة المصرية، والتي تستمر حتى 12 ديسمبر، حيث يمثل ملفا الطروحات الحكومية والأموال الساخنة أبرز محاورها، وفقًا لما أفادت به مصادر لـ«مدى مصر» بالتزامن مع بدء عمل البعثة، التي من المتوقع أن تقر دفعة نقدية جديدة ضمن برنامج الصندوق، الذي يوشك على الانتهاء.
تحديات الطروحات الحكومية وتأجيل المراجعات
على الرغم من التحسن في المؤشرات الاقتصادية الكلية لمصر خلال الأشهر القليلة الماضية، سيُناقش الجانبان مدى التقدم في ملف تخارج الحكومة من الشركات المملوكة للدولة، والذي كان السبب الرئيسي لتأجيل المراجعة الخامسة ودمجها بالسادسة، بحسب مصادر مطلعة على برنامج الصندوق تحدثت لـ«مدى مصر». كما أشارت المصادر ذاتها إلى أن ازدياد الاعتماد على الأموال الساخنة لتوفير السيولة يُعد من الملاحظات السلبية الرئيسية للصندوق، بينما يُظهر الصندوق مرونة تجاه مسألة دعم الطاقة، بهدف مواصلة المسار التنازلي لمعدل التضخم.
ارتبط التباطؤ في سياسة الخصخصة بتعثر المراجعة الخامسة في وقت لاحق، والتي تقرر دمجها مع المراجعة السادسة، كما أعلنت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، في يونيو الماضي، مؤكدة على ضرورة تقليص دور الحكومة في الاقتصاد وتسريع برنامج الخصخصة. ورغم صفقة “علم الروم” التي وقعتها الحكومة الشهر الماضي مع إحدى شركات الصندوق السيادي القطري، بإجمالي استثمارات تصل لنحو 30 مليار دولار، وتوقع استلام 3.5 مليار دولار منها هذا الشهر كقيمة للأرض، وهو ما يمثل تدفقات تحسن وضع النقد الأجنبي لدى الحكومة، إلا أن ملف تخارج الدولة من الأصول المملوكة لها لا يزال قيد النقاش مع الصندوق.
تكمن المشكلة من وجهة نظر الصندوق في عدم المضي قدمًا في تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، وفي عدم البدء ببيع حصص في الشركات الـ32 المدرجة ضمن قائمة تكرر الحكومة إعلان نيتها طرحها أمام القطاع الخاص، وفقًا لما أوضحه مصدران، أحدهما حكومي والآخر من البنك الدولي، في حديثهما لـ«مدى مصر». إن بيع حصص من الشركات المملوكة للدولة لا يستهدف فقط تحقيق تدفقات دولارية جديدة، كما حققت صفقات مثل “رأس الحكمة” و”علم الروم” بالفعل، بل يهدف أيضًا إلى فتح آفاق أوسع أمام القطاع الخاص، “فالمستثمرون لا يرغبون في رؤية عدد كبير من الشركات المملوكة للدولة، خاصة في مجال بيع السلع والخدمات”، بحسب المصدر من البنك الدولي.
أسباب تأخر الخصخصة ووضع السوق
اتفق المصدر الحكومي والمصدر من البنك الدولي، بالإضافة إلى برلمانيين، على أن السبب وراء تعثر طرح الشركات الحكومية يعود إلى تلقي الحكومة عروضًا استثمارية تتضمن تقييمات متدنية للشركات المطروحة، إضافة إلى ظروف البورصة المصرية غير المواتية لطرح الشركات فيها. وقد أكد رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، فخري الفقي، والمصدر من البنك الدولي، أن الحكومة ليست في ظروف اقتصادية حرجة لدرجة قبولها ببيع الأصول بأقل من قيمتها الحقيقية، خاصة بعدما خفت حدة الضغط الدولاري الذي كانت تعاني منه البلاد منذ تنفيذ صفقة “رأس الحكمة” في الربع الأول من العام الماضي، فمصر “لم تعد بحاجة إلى بيع بأسعار بخسة”، وفقًا للمصدر من البنك الدولي.
لقد أعلنت الدولة منذ عدة سنوات عن نيتها طرح عدد من الشركات الحكومية، وصل إلى 35 شركة، أمام القطاع الخاص، وكان أبرزها بعض الشركات المملوكة للجيش، مثل “صافي” للمياه و”وطنية” للمنتجات البترولية. وفي فبراير ومارس 2022، انفجرت أزمة دولارية حادة، باعت الحكومة على إثرها حصصًا في شركات استراتيجية لصناديق استثمار سعودية وإماراتية، ومن بين هذه الشركات كانت “الإسكندرية لتداول الحاويات”، التي استحوذت الإمارات على حوالي 40% منها مقابل 186 مليون دولار، وبعد ذلك بأربعة أشهر، اشترت السعودية نحو 20% من الشركة لقاء 157 مليون دولار، قبل أن تبيع الحصة ذاتها الشهر الماضي إلى شركة “موانئ دبي” بـ280 مليون دولار، محققة بذلك عائدات بلغت 77%، وذلك دون احتساب نصيبها من صافي أرباح الشركة لثلاث سنوات متتالية.
| الشركة | الجهة البائعة الأولية | الجهة المشترية | النسبة المئوية | قيمة الشراء (مليون دولار) | قيمة البيع (مليون دولار) | العائد (%) |
|---|---|---|---|---|---|---|
| الإسكندرية لتداول الحاويات | الحكومة المصرية | الإمارات | ~40% | 186 | – | – |
| الإسكندرية لتداول الحاويات | الحكومة المصرية | السعودية | ~20% | 157 | – | – |
| الإسكندرية لتداول الحاويات | السعودية | موانئ دبي | نفس الحصة (~20%) | (سابقاً 157) | 280 | 77 (غير شامل أرباح 3 سنوات) |
إلى جانب “الإسكندرية لتداول الحاويات”، باعت الحكومة خلال السنوات الثلاث الماضية حصصًا في شركات استراتيجية، إما لصناديق الاستثمار السعودية والإماراتية، أو في البورصة المصرية، وعلى رأسها شركات: “موبكو”، و”أبوقير للأسمدة”، و”فوري” للحلول المالية، و”الشرقية للدخان”، بالإضافة إلى البنك التجاري الدولي “CIB”، كما طُرحت حصة من “المصرية للاتصالات” في البورصة، بقيمة إجمالية بلغت 5.6 مليار دولار. وكان الصندوق قد أوضح في مراجعته الأخيرة أن توقعاته حول عوائد تخارج الدولة من أصولها كانت عند مستوى ثلاثة مليارات دولار بنهاية السنة المالية الماضية، في حين حققت الدولة 600 مليون دولار فقط.
تحسن التدفقات الدولارية ومخاطر الأموال الساخنة
شهدت التدفقات الدولارية لمصر تحسنًا ملحوظًا، محققة مستويات قياسية جديدة، حيث بلغت تحويلات العاملين بالخارج 36.5 مليار دولار خلال السنة المالية المنتهية. كما حققت الصادرات نموًا سنويًا بنسبة 23% حتى نهاية الربع الثالث من السنة المالية الحالية، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، إضافة إلى عوائد السياحة القوية التي من المتوقع أن تصل إلى 17.6 مليار دولار بنهاية العام الجاري، بحسب تصريحات وزير السياحة، وقد انعكست هذه التدفقات إيجابًا على الاحتياطي النقدي الأجنبي، الذي تجاوز حاجز الـ50 مليار دولار بنهاية أكتوبر.
إلى جانب هذه المصادر الدولارية، سجلت تدفقات الدولار من الأموال الساخنة، وهي استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي قصيرة الأجل، مستويات جديدة، وصلت إلى 875 مليار جنيه بنهاية عام 2024، ما يعادل حوالي 42 مليار دولار بأسعار الصرف الحالية، في حين أفصح مصدر لـ«مدى مصر» عن وصول الأموال الساخنة إلى 46 مليار دولار في يونيو الماضي، إذ إن الدين الحكومي المصري يقدم أحد أعلى معدلات العائد الحقيقي في العالم، بنحو 10% على الاستثمار. ويُعد هذا الاعتماد المتزايد على الأموال الساخنة أحد الجوانب السلبية التي سيُشير إليها صندوق النقد في اجتماعاته بالقاهرة، بحسب المصدر الحكومي، كونها تعد مصدرًا دولاريًا هشًا عرضة لتقلبات عنيفة إزاء أي متغير عالمي أو محلي، وإن كان سخيًا في بعض الأوقات، وفقًا لما أوضحه المصدر من البنك الدولي.
عند بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، سحب المستثمرون الأجانب ما لا يقل عن 20 مليار دولار من مصر، بحسب وزير المالية آنذاك، الذي التزم بتقليص مساهمة الأموال الساخنة في سيولة الحساب الجاري على خلفية تلك الصدمة. وقد أشار المصدرون البرلمانيون الذين تحدثوا لـ«مدى مصر»، والمصدر الحكومي، إلى أن الأجواء التي تسير فيها مناقشات المراجعتين الخامسة والسادسة يسودها الهدوء، بالنظر إلى أننا في المرحلة النهائية من البرنامج، الذي ينتهي في أكتوبر المقبل. وكانت مصر قد طلبت دمج المراجعتين لإتمام صفقات تضمن تدفقات دولارية، وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص، بحسب الفقي.
مرونة الصندوق ودعم الثقة
أما المصدر من البنك الدولي، فقد أشار إلى حاجة الحكومة المصرية لإتمام المراجعة، في ظل الرسائل المشجعة التي ترسلها البيانات الإيجابية من الصندوق للمستثمرين الأجانب، سواء بضخ استثمارات مباشرة في البلاد أو حتى بالاستثمار في إقراضها عبر الأموال الساخنة، التي تستخدمها الدولة في ظل عجز الحساب الجاري. وفي هذا السياق، أصبح الصندوق أكثر مرونة فيما يتعلق بمسائل تخفيض دعم الطاقة، بما يشمل تحرير أسعار الكهرباء والمحروقات، وذلك لتجنب تغذية صعود التضخم. وقد هدأت وتيرة نمو التضخم لإجمالي الجمهورية منذ مطلع العام وعلى مدار الأشهر العشرة الماضية، وظل مستقرًا عند 10.1% سنويًا خلال أكتوبر، بحسب بيانات «التعبئة والإحصاء».
واستهدفت الحكومة كبح جماح معدلات التضخم، لتمكين البنك المركزي من استكمال دورة التيسير النقدي التي بدأها منذ أبريل الماضي، وتلاها ثلاثة تخفيضات في مايو وأغسطس وأكتوبر، لتهبط إجمالًا بنسبة 5.2% منذ بداية العام، وذلك بهدف خفض تكلفة الاستدانة، حسبما يرى المصدر الحكومي ومصدر برلماني من لجنة الخطة والموازنة ومحللون ماليون. بدأت مصر في نهاية عام 2022 التفاوض مع صندوق النقد للحصول على قرض بقيمة ثلاثة مليارات دولار، إلا أن البرنامج تعثر لأشهر، قبل أن تُستأنف المفاوضات بين الجانبين نهاية عام 2023، لتنتهي بزيادة القرض إلى ثمانية مليارات دولار وإقرار أربع مراجعات، وبالتزامن مع برنامج الصندوق، تحركت أسعار الصرف خلال عامين، ليسجل الدولار 50 جنيهًا، قبل أن يتحسن مؤخرًا ويبقى عند مستوى 47.46 جنيه بحسب أسعار صرف البنك المركزي.
وقد حصلت مصر من الصندوق على ثلاث دفعات ضمن البرنامج الحالي، كانت الأولى بقيمة 820 مليون دولار بعد إتمام المراجعة الأولى والثانية خلال الربع الأول من عام 2024، ثم شريحة ثانية بنفس القيمة عقب إقرار المراجعة الثالثة، تلاها الحصول على 1.2 مليار دولار بإقرار المراجعة الأخيرة، وسيعني إقرار المراجعتين الخامسة والسادسة صرف الشريحة الرابعة بقيمة حوالي 2.6 مليار دولار، حيث تستحق مصر 1.3 مليار دولار عن كل مراجعة.
