سنة العبور الهادئ أم فرص مؤجلة في الأفق? أوراس

سنة العبور الهادئ أم فرص مؤجلة في الأفق? أوراس

نُشر يوم: 31 ديسمبر 2025

تدخل الجزائر عام 2026 وهي تستند إلى قاعدة صلبة نسبيًا، لكنها ليست قد اكتملت. فالسنة القادمة لا تلوح في الأفق بانقلابات دراماتيكية أو بوعود جوهرية، بل تحمل أسئلة عميقة تتعلق بقدرتنا على تحويل “الاستقرار” إلى رؤية مستقبلية، و”الزمن السياسي” إلى زمن من الإنجازات.

السؤال المحوري ليس ما الذي سيحدث للجزائر في 2026، بل ما الذي يمكن أن تفعله الجزائر في 2026؟

أولًا: الواقع.. استقرار بلا قفزات كبرى

واقع الجزائر اليوم يُختصر في معادلة دقيقة: استقرار أمني وسيادي واضح يقابله بطء محسوس في التحولات الاقتصادية والاجتماعية، الدولة حاضرة، المؤسسات قائمة، القرار السيادي محفوظ، لكن الإحساس العام لا يزال مترددًا بين الرضا الحذر والانتظار الطويل، سنة 2026 لا تبدو مليئة بالأزمات الخانقة، لكنها أيضًا لا تُبشّر بطفرة نوعية تلقائية ما لم تُتخذ قرارات أكثر جرأة في بعض الملفات المؤجلة.

ثانيًا: الجبهة الداخلية.. التحدي الصامت

أكبر تحدٍّ تواجهه الجزائر في 2026 ليس خارجيًا بل داخلي هادئ، غير صاخب، لكنه ذو أثر عميق: جبهة الثقة، تتجسد في عدة جوانب: ثقة المواطن في وتيرة الإصلاح.، وثقة الشباب في المستقبل داخل الوطن.، وثقة النخب في أن أفكارها يمكن أن تتحول إلى سياسات، الجبهة الداخلية تُدار ليس فقط من خلال الخطاب، بل أيضًا بالإنصات، ولا تُحمى بالأمن فحسب، بل بالأمل الواقعي، ستشكل 2026 سنة اختبار: هل نُواصل إدارة المجتمع بمنطق الاحتواء، أم نتحول إلى منطق الإشراك الفعلي؟

ثالثًا: الاقتصاد.. بين فك الارتباط والعودة المقنّعة للريع

اقتصاديًا، تدخل الجزائر 2026 وهي ترفع شعار التنويع، لكنها لم تحسم بعد معركة فك الارتباط النفسي والهيكلي بالريع، الأسئلة الكبرى هنا واضحة: هل تتحول الاستثمارات المعلنة إلى قيمة مضافة حقيقية؟، هل يصبح الاقتصاد المنتج خيارًا لا مجرد شعار؟، هل يُمنح القطاع الخاص دورًا حقيقيًا لا دورًا هامشيًا؟، يمكن أن تكون 2026 سنة تثبيت المسار الاقتصادي الجديد لكن بشرط الوضوح في الرؤية، والاستقرار في القواعد، ومحاربة البيروقراطية باعتبارها عدوًا استراتيجيًا لا مجرد خلل إداري عابر.

رابعًا: الملفات الاستراتيجية.. الجزائر في محيط متقلّب

إقليميًا ودوليًا، تتحرك الجزائر في محيط غير مستقر وحدود ملتهبة، ونظام دولي متغيّر، وصراعات تُدار أحيانًا بلا قواعد، الرهان في 2026 ليس لبلوغ أدوار استعراضية، بل في تثبيت موقع الجزائر كدولة توازن، وحماية القرار الوطني من الاستقطابات الحادة، وتحويل الثقل الدبلوماسي إلى مكاسب اقتصادية وشراكات ذكية، السياسة الخارجية الجزائرية تمتلك رأس مال رمزي وتاريخي، لكن 2026 تتطلب ترجمة هذا الرصيد إلى نتائج ملموسة.

وماذا بعد التصويت على قانون تجريم الاستعمار؟

لا يكتمل معنى التصويت على قانون تجريم الاستعمار إذا بقي ضمن حدود المطالبة باعتراف خارجي واعتذار رسمي، مهما كانت رمزيتهما السياسية والأخلاقية، قبل أن نطالب المحتل بتحمل مسؤوليته التاريخية، نحن مطالبون بجدية أكبر بتطهير ذاكرتنا الوطنية من مخلفات ذلك الاحتلال، والتي لم تكن عسكرية فقط، وإنما نفسية وثقافية وإدارية تسللت إلى الأجيال وعملت بصمت طويل، إن أخطر ما خلفه الاستعمار هو الاستعمار الذي استقر في العقول: في اللغة، وفي نماذج التفكير، وفي أنماط التسيير، وفي علاقة الدولة بمواطنيها، ومن دون مواجهة هذه الرواسب بوضوح، يبقى تجريم الاستعمار فعل إدانة ناقص لا يرتقي إلى مستوى التحرر الكامل، تجريم الاستعمار في جوهره العميق يبدأ من استكمال التحرر من لغته المهيمنة، ومن ثقافته التي قُدّمت طويلاً كمعيار للحداثة، ومن التبعية الإدارية والذهنية التي تجعلنا نكرر نماذج لا تنبع من سياقنا ولا تخدم أولوياتنا، وعندما يشعر “الآخر” المحتل سابقًا أن الجزائر لا تكتفي بإدانة الماضي، بل تعمل على إعادة بناء ذاتها خارج منطقه ورموزه، يدرك أن الأمر لم يعد خطابًا سياديًا عابرًا، بل فعلًا تاريخيًا جادًا، في أفق 2026، يمكن لهذا القانون أن يكون نقطة انطلاق لمراجعات كبرى في المدرسة، والإدارة، والثقافة، ومنظومة القيم العامة، فاستعادة السيادة لا تكتمل بالقوانين وحدها، بل بإعادة تشكيل الوعي، لأن الأمم لا تتحرر مرتين من الاحتلال نفسه.

خامسًا: هل نعوّل على شيء في 2026؟

نعم، يمكن التعويل، لكن بشروط، يمكن التعويل على: وعٍ عام متزايد بأن الزمن لا ينتظر.، طاقات شبابية لم تُستثمر بعد.، موقع استراتيجي يمنح الجزائر هامش حركة معتبر، لكن لا يمكن التعويل على: الزمن وحده.، الخطاب دون سياسات.، الصبر الاجتماعي بلا أفق واضح.

سنة الأسئلة الحاسمة لا الشعارات الكبيرة

2026 ليست سنة الأحلام الكبرى، بل سنة الحسم الهادئ، إما أن تكون سنة ترسيخ مسار إصلاحي واقعي، أو سنة تُضاف إلى رصيد “الفرص الممكنة التي لم تُستثمر”، التاريخ لا يسأل الدول: هل كنتَ مستقرًا؟ بل يسألها: ماذا فعلتَ باستقرارك؟