صفة خفية توحد أصحاب العيون الزرقاء حول العالم

صفة خفية توحد أصحاب العيون الزرقاء حول العالم

عمون- كشفت أبحاث وراثية حديثة أن جميع الأشخاص ذوي العيون الزرقاء حول العالم يشتركون في بصمة جينية واحدة، تعود إلى طفرة قديمة حدثت لدى سلف بشري واحد قبل آلاف السنين.

البصمة الجينية

أوضحت الدراسة أن هذه البصمة تتمثل في متغير جيني يُعرف باسم rs12913832، يقع داخل جين HERC2، حيث يعمل كمنظم دقيق يشبه “مفتاح الخفوت” يتحكم في مستوى إنتاج صبغة الميلانين داخل القزحية.

تأثير الجينات على لون العين

يؤكد العلماء أن هذا الاكتشاف يربط مئات الملايين من البشر بتغيير واحد في الجينوم البشري، ليكون مثالا واضحا على تأثير اختلاف وراثي بسيط في صفة ظاهرية بارزة مثل لون العين.

جين التصبغ الأساسي

تبدأ القصة بجين OCA2، المسؤول عن إنتاج بروتين يلعب دورا رئيسيا في تصنيع الميلانين، الصبغة التي تحدد لون العين والجلد والشعر، وأظهرت دراسات سابقة على التوائم والعائلات أن منطقة محددة داخل هذا الجين تفسر معظم الفروق بين العيون الزرقاء والبنية، ما دفع العلماء للاعتقاد أن هذا الموقع هو المفتاح الأساسي لتصبغ القزحية.

محتوى الجين المجاور

لكن اللغز ظل قائما، وهو كيف تتحكم منطقة تنظيمية خارج الجين نفسه في تشغيله أو تعطيله، وأظهرت الدراسات اللاحقة أن المتغير الحاسم لا يقع داخل OCA2، بل في الجين المجاور HERC2، الذي يعمل كمنظم لنشاط الجين الأول.

كيف تنتج الطفرة اللون الأزرق؟

أوضحت التحليلات الجزيئية أن الطفرة لا توقف إنتاج الميلانين بالكامل، بل تقلله فقط، وعندما ينخفض تركيز الصبغة في القزحية، لا تظهر صبغة زرقاء فعلية، بل يتشتت الضوء داخل النسيج بطريقة مشابهة لظاهرة تشتت الضوء في الغلاف الجوي، وهي الآلية نفسها التي تجعل السماء تبدو زرقاء.

الكروموسوم والتفاعل الجيني

ويشرح العلماء أن الكروموسوم يطوي نفسه بحيث يلامس هذا العنصر التنظيمي جين OCA2، النسخة المرتبطة بالعيون البنية تعزز هذا الاتصال، بينما النسخة المرتبطة بالعيون الزرقاء تضعفه، ما يؤدي إلى انخفاض التعبير الجيني وتقليل إنتاج الميلانين.

حدث مؤسس واحد

تشير الدراسات الوراثية الواسعة إلى أن جميع أصحاب العيون الزرقاء اليوم ينحدرون من سلف واحد حمل هذه الطفرة التنظيمية لأول مرة، وقبل ظهورها، كان اللون الافتراضي لعيون البشر هو البني، نتيجة ارتفاع مستويات الميلانين، ورغم أن لون العين صفة متعددة الجينات تتأثر بعدة عوامل تحدد درجات اللون، فإن هذا المتغير يظل العامل الأساسي الذي يحدد الانتقال من القزحيات الداكنة إلى الفاتحة لدى نسبة كبيرة من البشر، خصوصا في أوروبا.

أهمية علمية وتطبيقية

لا يقتصر هذا الاكتشاف على فهم أصل لون العين فقط، بل يمتد إلى تطبيقات عملية، أبرزها في الطب الشرعي، حيث تُستخدم هذه الطفرة ضمن أدوات تحليل الحمض النووي للتنبؤ بلون العين من العينات البيولوجية، كما يقدم مثالا مهما في علم الوراثة الحديثة، إذ يوضح أن التغيرات في المناطق التنظيمية غير المشفرة من الحمض النووي يمكن أن تؤثر بعمق في الصفات البشرية دون تغيير بنية البروتينات نفسها، ويبرز هذا الاكتشاف حقيقة لافتة، وهي أن ما يبدو سمة شخصية فريدة لدى ملايين البشر ليس سوى نتيجة تغير وراثي صغير جدا، لكنه ترك بصمة مستمرة تربط أجيالا متباعدة بسلف واحد في التاريخ البشري.

البيان