
في لحظة بلغ فيها الصمت أكثر ثقلاً من الرصاص، ومن شقوق الصخور التي احتضنت رجال الثورة، وُلد صوت جديد. لم يكن مجرد صوت عابر، بل كان ولادة وطن جديد عبر موجات أثير لا تُرى، اخترقت جميع حواجز الحديد والقمع والرقابة.
في مخابئ الجبال، حيث كانت المدافع تتحدث بلغة النار، قرر رجال جبهة وجيش التحرير الوطني خوض معركة جديدة؛ معركة تُخاض بالكلمة لا بالسلاح. فقد أدركت الثورة مبكرًا أن الاستقلال لا يتحقق بالأسلحة وحدها، بل أيضًا بامتلاك الرواية وكسر احتكار الاستعمار للحقيقة.
ومن رحم تلك القناعة، انطلقت الإذاعة السرية: “هنا صوت الجزائر الحرة المكافحة”، لتصبح من أخطر التحديات التي واجهتها فرنسا منذ بداية الثورة.
رغم أن فرنسا كانت تمتلك أقوى جيش في إفريقيا، وأعتى آلة إعلامية في المنطقة، إلا أنها لم تستطع إيقاف جملة واحدة تتسلل ليلًا عبر الأثير، تطرق أبواب البيوت الجزائرية، وتوقظ قلوبًا كانت تبحث عن أمل.
كان كل بث بمثابة عملية فدائية إعلامية: تجهيزات بدائية، أجهزة يمكن رصدها، مواقع معرضة للاقتحام، ومذيعون يعرفون أنهم قد يُعدمون لمجرد نطقهم بكلمة واحدة عبر الميكروفون.
لم يكن خوف فرنسا نابعًا من صوت خافت من الجبال، بل من الرسالة التي يحملها ذلك الصوت: توحيد الشعب، رفع معنويات المجاهدين، فضح جرائم الاستعمار، وكسر جدار الخداع الإعلامي الذي بنته على مدى سنوات.
لقد اكتشفت باريس شيئًا مرعبًا: أن الرصاصة تقتل فردًا، لكن الكلمة تحيي أمة، ولهذا كانت الإذاعة أخطر من السلاح، لأنها لم تغير موازين القوة فحسب، بل أيضًا موازين الوعي. ومنذ تلك الليلة، لم يعد بالإمكان إسكات الجزائر… فقد صار لها صوت.
لم تكن فكرة إنشاء إذاعة ثورية وليدة لحظة، بل كانت نتيجة نقاشات سياسية داخل قيادة جبهة التحرير الوطني عقب مؤتمر الصومام. حيث يشير المؤرخ الجزائري محمد حربي في كتابه “جبهة التحرير الوطني: الأسطورة والواقع” إلى أن فكرة إنشاء جهاز إعلامي منظم طُرحت مبكرًا باعتباره “واجهة موازية للعمل العسكري”.
أما المؤرخ الفرنسي إيف كوريير Yves Courrière في الجزء الأول من عمله “حرب الجزائر”، فيؤكد أن عبان رمضان كان المحرك الأساسي لهذا المشروع، معتبرًا الإعلام “سلاحًا سياسيًا استراتيجيًا” قادرًا على كسر احتكار فرنسا للمعلومات.
كما تدعم ذلك وثائق وزارة الإعلام المصرية المنشورة في كتاب عبد الله النديم “صوت العرب ودورها في تحرير الجزائر”، والتي ذكرت أن البعثة الخارجية لجبهة التحرير بالقاهرة، وعلى رأسها محمد يزيد وأحمد بومنجل، تقدمت بطلب رسمي لدعم إنشاء محطة بث خاصة بالثورة الجزائرية.
من الناحية التنظيمية، يوضح عبد الكريم بجاية في دراسته “الإعلام الثوري الجزائري 1954–1962” أن لجنة التنسيق والتنفيذ CCE، التي انبثقت عن مؤتمر الصومام، أدرجت الإذاعة ضمن أولوياتها الإعلامية بهدف كسر احتكار فرنسا للخبر، ومرافقة العمليات المسلحة بخطاب تعبوي، وخلق صلة بين الشعب والقيادة الثورية، وتوجيه الرأي العام الخارجي.
أما الجانب التقني فكان الأصعب. يذكر الصحفي والمؤرخ علي عسلة في كتابه “صوت الثورة الجزائرية” أن أول أجهزة إرسال استُقدمت من مصر بدعم فني من مهندسين مصريين تابعين لإذاعة “صوت العرب”، وتم تركيب محطة بث صغيرة متنقلة قادرة على العمل من مواقع مختلفة.
ويؤكد جيلبير مينييه Gilbert Meynier في كتابه “تاريخ الجزائر المعاصر” أن فرق البث كانت تغيّر مواقعها باستمرار بسبب تعقب المخابرات الفرنسية التي استخدمت طائرات مزودة بأجهزة تحديد اتجاه الإشارات اللاسلكية RDF.
وطبقا لتقارير الجيش الفرنسي، التي ينقلها هنري لورانس في “مسألة الجزائر”، فقد وصفت القيادة الفرنسية الإذاعة بأنها “خطر استراتيجي جديد”، لأنها كانت توحد الشعب وتكسر الدعاية الاستعمارية.
على الرغم من الإمكانيات البدائية، نجحت الثورة في إطلاق أول بث في 16 ديسمبر 1956، وهو ما يعتبره المؤرخ بنجامين ستورا في “تاريخ الجزائر منذ الاستقلال” “لحظة تحول في ميزان الحرب النفسية”.
اللحظة التي ارتجفت فيها باريس
لم تكن ليلة 16 ديسمبر 1956 مجرد حدث تقني عابر، بل كانت كما وصفها المؤرخ الفرنسي إيف كوريير Yves Courrière “أول مرة تشعر فيها القيادة الفرنسية بأن الثورة تمتلك صوتًا يخرج عن السيطرة”… في إحدى المزارع المعزولة قرب الحدود الشرقية، وفق ما يرويه الصحفي والمؤرخ الجزائري علي عسلة في كتابه “صوت الثورة الجزائرية”، جمع فريق صغير حول جهاز إرسال بدائي لا تتجاوز قدرته بضع مئات من الواطات، يحيط به مولد كهربائي بسيط، وأسلاك تمتد نحو هوائي مُخفى تحت أغطية القش.
كانت الأنفاس محبوسة، أي خطأ تقني، أي تأخير، أي رصد للموجة… كان يعني اكتشاف الموقع، وصول القوات الفرنسية، وإعدام كل من فيه، عند الساعة التاسعة ليلاً تقريبًا، كما يذكر المؤرخ عبد الكريم بجاية في دراسته “الإعلام الثوري الجزائري 1954–1962” ضغط الفني على زر البث، وأشار للمذيع بأن يبدأ.
في وسط ظلام دامس، خرجت الجملة التي ستُخلد: “هنا صوت الجزائر الحرة المكافحة، صوت جبهة وجيش التحرير الوطني.”
تؤكد شهادات عيسى مسعودي، الذي يعتبر من أبرز الأصوات الأولى المنقولة في سلسلة حواراته مع الإذاعة الوطنية، أن تلك الكلمات لم تُقرأ من نص مكتوب، بل قيلت ارتجالًا، تحت توتر شديد، وبصوت حاول صاحبه أن يخفي الارتعاش. كانت تلك اللحظة، وفقًا لتوصيف بنجامين ستورا في كتابه “الجزائر في الحرب”، كسرًا لاحتكار فرنسا للموجات الصوتية، وتحولًا في ميزان الحرب النفسية.
يذكر علي عسلة نقلًا عن شهادات مستمعين من قسنطينة والقبائل أن البيوت الجزائرية التي نجحت في التقاط البث رغم التشويش عاشوا حالة ذهول، إذ لم يصدق كثيرون أن الثورة أصبحت تملك إذاعة مستقلة، وفي مذكراته، يروي المناضل محمد بوعلام أن سكان بعض القرى كانوا يخففون صوت أجهزة الراديو إلى أدنى درجة، ويجمعون الأطفال حولها، خوفًا من وشاية أو تفتيش فجائي.
أما في الجانب الفرنسي، فقد أوردت صحيفة Le Monde في عددها الصادر يوم 18 ديسمبر 1956 تقريرًا مقتضبًا قالت فيه “ظهرت موجة إذاعية جديدة مجهولة المصدر تبث رسائل دعائية للثوار.”
وينقل هنري لورانس في كتابه “مسألة الجزائر” عن تقارير المخابرات الفرنسية أن القيادة العسكرية وصفت ما جرى بأنه: “اختراق خطير للرأي العام، قد يرفع معنويات الأهالي ويُضعف الرواية الرسمية.” كما ذكر تقرير وزارة الدفاع الفرنسية، كما يورده جيلبير مينييه في “تاريخ الجزائر المعاصر”، أن ذلك كان يشير بوضوح إلى “ضرورة تحديد مصدر الإرسال وتدميره في أقرب وقت.”
يؤكد عبد الله النديم في كتابه “صوت العرب ودورها في تحرير الجزائر” أن إذاعة “صوت العرب” في القاهرة التقطت البث بعد دقائق، وبثت خبر إطلاق الإذاعة الجزائرية في نشراتها الليلية، معتبرة ذلك “انتصارًا إعلاميًا غير مسبوق للثورة”. في تلك الليلة، كما يقول كوريير: “لم تعد فرنسا تواجه ثورة في الجبال فقط، بل ثورة في الهواء.” لقد ارتجفت باريس… لأن الصوت الذي خرج من ظلام الجبال لم يكن مجرد كلمات، بل إعلانًا بأن الأثير نفسه أصبح ساحةً محررة.
تحريك الشارع الجزائري
يشير المؤرخ الجزائري محمد حربي في كتابه “جبهة التحرير الوطني: الأسطورة والواقع” إلى أن التأثير المباشر للإذاعة كان في خلق رابط يومي بين الشعب والثورة، وهو ما اعتبرته القيادة الاستعمارية أخطر من العمليات المسلحة. فحسب تقارير الشرطة الفرنسية الداخلية، التي نقلها إيف كوريير في “حرب الجزائر”، سجلت المدن الكبرى مثل الجزائر وقسنطينة زيادة ملحوظة في التجمعات الليلية حول أجهزة الراديو، رغم منع الاستماع ووجود عقوبات لمن يُضبط.
في مذكراته، يذكر المجاهد أحمد بن شريف أن “الناس كانوا ينتظرون موعد البث كما ينتظرون وصول الأخبار من الجبهة، وكانت الإذاعة تمنحهم شعورًا بأن الثورة حاضرة بينهم.”
يرى المؤرخ بنجامين ستورا في كتابه “الجزائر في الحرب” أن الإذاعة لعبت دورًا مركزيًا في رفع المعنويات، خاصة بعد العمليات القمعية الفرنسية الكبرى في عام 1957. ويؤكد عيسى مسعودي في شهاداته المسجلة بالإذاعة الوطنية أن رسائل المقاتلين التي كانت تُذاع، وأخبار الانتصارات الميدانية، كانت “تُعيد الثقة للناس الذين بدأوا يعتقدون أن فرنسا لا تُهزم.”
كما تشير الباحثة زهية بن عودة في دراستها “الإعلام الثوري وتأثيره الاجتماعي” إلى أن الإذاعة ساهمت في:
- تعزيز الروح الوطنية.
- مقاومة الإحباط بعد حملات التمشيط.
- زيادة حالات الالتحاق بجيش التحرير في المناطق الريفية.
واحدة من أبرز وظائف الإذاعة كانت فضح جرائم الجيش الفرنسي، تظهر تقارير وزارة الدفاع الفرنسية التي نقلها هنري لورانس في كتابه “مسألة الجزائر” أن باريس كانت تعتبر نشر أخبار التعذيب والإعدامات خارج إطار القضاء “تهديدًا مباشرًا لصورة فرنسا الدولية”.
وينقل عبد الله النديم في كتابه “صوت العرب ودورها في تحرير الجزائر” أن الإذاعة كانت أول جهة تعلن عن: مجازر ميلة 1957 والإعدامات في سجن سركاجي، وعمليات التهجير القسري في الأوراس، وكانت هذه الأخبار تنتشر بسرعة عبر المساجد والأسواق والمقاهي، مما جعل فرنسا تفقد السيطرة على روايتها الرسمية.
تذكر دراسة عبد الكريم بجاية “الإعلام الثوري الجزائري 1954–1962” أن الإذاعة دخلت مباشرة في حرب شائعات مضادة ضد الجهاز النفسي الفرنسي، فعندما كانت فرنسا تبث عبر “Radio Alger” روايات تتحدث عن “استسلام مجاهدين”، كانت الإذاعة السرية ترد ببث أسماءهم من مواقع القتال، أو رسائل صوتية منهم، مما أدى إلى إحراج استخبارات الجيش.
وتكشف صحيفة Le Monde في عددها 22 جانفي 1957 أن القيادة الفرنسية اشتكت من “تأثير الإذاعة الثورية في نزع مصداقية البلاغات العسكرية الفرنسية.” كما يذكر إيف كوريير أن فرنسا اضطرت إلى إنشاء وحدة خاصة داخل الاستخبارات سميت: “Service de contre-propagande nord-africain” للتعامل مع التأثير المتزايد للإذاعة.
كما كتب مينييه “لم تكن الرصاصة التي تخيف باريس، بل الجملة التي يسمعها الملايين.” لقد أصبحت الإذاعة جبهة قتال حقيقية: تحرك الشارع، ترفع المعنويات، تفضح الجرائم، وتكسر الرواية الاستعمارية… دون إطلاق رصاصة واحدة.
الرعب الفرنسي في الرد
لم يمرّ إطلاق “إذاعة الجزائر الحرة المكافحة” دون ردّ. وفق المؤرخ الفرنسي إيف كوريير Yves Courrière، اعتبرت القيادة الفرنسية البث الأول في 16 ديسمبر 1956: “إنذارًا استراتيجيا من الدرجة الأولى”، ومنذ تلك الليلة، دخلت فرنسا في حرب تقنية/استخباراتية غير مسبوقة ضد صوت خرج من قلب الجبال.
تُظهر وثائق وزارة الدفاع الفرنسية التي نقلها هنري لورانس في كتابه “مسألة الجزائر” أن القيادة العسكرية أصدرت أوامر عاجلة لـ: رفع قدرة التشويش الراديوي في الجزائر العاصمة، استخدام محطات الإرسال البحرية في المتوسط، التنسيق مع إذاعة “Radio Alger” لبث رسائل مضادة، ويؤكد المؤرخ الجزائري عبد الكريم بجاية في دراسته “الإعلام الثوري الجزائري 1954–1962” أن فرنسا استخدمت: محطات تشويش متنقلة داخل شاحنات عسكرية، وطائرات استطلاع مجهزة بأجهزة RDF لتحديد الاتجاهات.
لكن رغم ذلك، يعترف كوريير بأن “التشويش كان محدود الفعالية، لأن الإذاعة كانت تغيّر تردداتها باستمرار وبشكل غير متوقع.” يروي علي عسلة في كتابه “صوت الثورة الجزائرية” أن الفرنسيين بدأوا ما يشبه: “مطاردة إذاعية”، تستخدم فيها طائرات من طراز B-26 و”Nord 2501” مجهزة بأجهزة كشف الإشارات.
وتشير تقارير الجيش الفرنسي التي ينقلها المؤرخ جيلبير مينييه في “تاريخ الجزائر المعاصر” إلى أن القوات الفرنسية: رصدت مواقع بث قرب سوق أهراس، ثم اقتحمت مواقع اشتبهت بها في تبسة، وشنت عمليات تمشيط واسعة في الأوراس، لكنها لم تتمكن من القضاء على الإذاعة بسبب التنقل المستمر لمحطات الإرسال، واستخدام مولدات صغيرة قابلة للإخفاء، وحماية وحدات جيش التحرير.
ويذكر الصحفي الفرنسي Pierre Darcourt في تقرير نشرته صحيفة Le Figaro بتاريخ 5 فيفري 1957 أن الضباط الفرنسيين وصفوا العملية بـ: “مطاردة شبح.” واحدة من أبرز الوثائق التي تكشف موقف فرنسا هي تقرير استخباراتي داخلي صادر عن القيادة العليا للقوات الفرنسية في الجزائر في جانفي 1957، نقله هنري لورانس “الإذاعة الثورية تمثل خطرًا استراتيجيًا لأنها ترفع معنويات الأهالي وتُضعف الثقة بالقوات الفرنسية.”
يؤكد بنجامين ستورا في كتابه “الجزائر في الحرب” أن القيادة الفرنسية خلصت إلى أن “الخسائر المعنوية التي تسببها الإذاعة تفوق الخسائر العسكرية.” أما صحيفة Le Monde في عددها 22 جانفي 1957، فقد نشرت: “التأثير النفسي لإذاعة الثوار أصبح مصدر قلق حقيقي للسلطات.” ولكن كما كتب المؤرخ مينييه “كانت فرنسا تمتلك السماء، لكن الجزائريين امتلكوا الأثير.” فقد فشلت فرنسا، رغم قوتها التكنولوجية والاستخباراتية، في إسكات صوت صغير خرج من الجبال… لأنه لم يكن مجرد بث، بل روح ثورة.
