
بعيداً عن المجاملات التقليدية في تحليل التشريعات، أجد نفسي أمام مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي، الذي يثير قلقاً حقيقياً، ليس فقط بصفتي خبيراً قانونياً، بل أيضاً كمراقب دقيق لتأثير هذه التشريعات على النسيج الاقتصادي والاجتماعي. فالضمان الاجتماعي يتجاوز كونه مجرد قانون إداري يمكن تعديله تحت مسميات “ترشيد الإنفاق” أو “رفع الكفاءة”، إنه في جوهره منظومة متكاملة تدير مدخرات سنوات طويلة من العمل الشاق، وترسم بناءً عليها توقعات الناس لمستقبلهم وحمايتهم.
مقاربة الإصلاح: الثقة أم الأرقام؟
الإصلاح في حد ذاته ضروري وحتمي، لكن الإشكالية تكمن في النهج المتبع لطرح هذه التعديلات، حيث يبدو التركيز مالياً بحتاً، حول كيفية تقليص الالتزامات وتخفيف العبء المستقبلي. ورغم أن هذه الأسئلة مشروعة، إلا أن السؤال الأهم الذي يُغفل هو: كيف يمكننا الحفاظ على الثقة؟ ذلك لأن أي نظام تأميني يعتمد بشكل أساسي على ثقة المشتركين بأن القواعد المنظمة لن تتغير بشكل مفاجئ وغير متوقع.
الأثر على الأفراد والثقة القانونية
عندما تتم مراجعة شروط التقاعد المبكر أو آليات احتساب الرواتب التقاعدية، فإننا لا نتعامل مع مجرد أرقام جامدة، بل مع أفراد بنوا حياتهم وخططوا لمستقبلهم بناءً على نصوص قانونية مستقرة. بعضهم وافق على رواتب أقل ثقةً بوجود مظلة تأمينية واضحة، وآخرون حددوا توقيت خروجهم من سوق العمل بناءً على معادلات واضحة وثابتة. إن تغيير هذه المعادلات بعد سنوات طويلة من الاشتراك يثير إشكاليات قانونية عميقة تتعلق بمبدأ الاستقرار التشريعي وحماية الثقة المشروعة، فالقانون ليس مجرد أداة تنظيم، بل هو وعد ضمني من الدولة بعدم إحداث تغييرات جذرية ومفاجئة.
الاستدامة المالية: منهج شامل أم تقليص حقوق؟
من الناحية المالية، تُطرح “الاستدامة” كمبرر رئيسي لهذه التعديلات، لكن تحقيق الاستدامة لا يقتصر على تقليص المنافع فحسب، بل يتسع ليشمل تحسين إدارة الاستثمارات، وتنويع المحافظ المالية، ورفع مستوى الشفافية في الإدارة. فأموال الضمان ليست موارد حكومية عامة، بل هي ملك لمشتركين محددين وموثوقة لديهم. وإذا ما وُجدت تحديات اكتوارية، فمن غير المنصف أن يكون الحل الأول هو تقليص حقوقهم قبل مراجعة شاملة لأداء الإدارة والاستثمار ومدى كفاءتها.
الأبعاد الاقتصادية للتعديلات المقترحة
الأثر الاقتصادي لهذه التعديلات لا يقل أهمية بأي حال، فدخل المتقاعدين يتجاوز كونه مجرد تحويل مالي، إنه عنصر أساسي لاستقرار السوق المحلي. المتقاعد الذي يتلقى راتباً ثابتاً ينفق في السوق، مما يدعم الخدمات ويُبقي الدورة الاقتصادية نشطة وحيوية. إن تقليص هذه المنافع قد يخفف الضغط على الصندوق من الناحية النظرية، لكنه قد يؤدي إلى أثر انكماشي في اقتصاد يعاني أصلاً من التباطؤ والتحديات.
البعد الإنساني: الأمان لا الأرقام
غالباً ما يُغفل البعد الإنساني خلف الأرقام والتحليلات المالية المعقدة، فالضمان الاجتماعي ليس معادلة اكتوارية بحتة، بل هو تجسيد لإحساس عميق بالأمان. إنه قناعة العامل بأن سنوات الاقتطاع من دخله ستتحول إلى حماية حقيقية له عند بلوغ سن الشيخوخة أو في حالات العجز. إن اهتزاز هذه القناعة، ولو جزئياً، يضع النظام بأكمله في منطقة رمادية محفوفة بالمخاطر، ذلك لأن أي نظام تأميني يقوم في جوهره على الثقة الجماعية والمتبادلة.
متطلبات الإصلاح الحقيقي والشامل
الإصلاح أمر مطلوب بلا شك، لكن الإصلاح الذي يعتمد على تقليص المنافع دون حوار وطني واسع وشفاف، ودون عرض واضح ومفصل للدراسات المؤيدة، ودون توفير مرحلة انتقالية عادلة تحمي المراكز القانونية المستقرة، هو إصلاح ناقص وغير مكتمل. إن الإصلاح الحقيقي والفعال يبدأ بتحسين الإدارة، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتوسيع قاعدة المشتركين، لا بإعادة تعريف الحقوق بشكل مفاجئ وغير متوقع.
في الختام، إن قوة أي اقتصاد لا تُقاس فقط بمعدلات النمو أو حجم الاحتياطيات المالية، بل تُقاس أيضاً بمدى شعور مواطنيه بالأمان تجاه مستقبلهم. والضمان الاجتماعي، في صميم رسالته، هو وعد بهذا الأمان. لذا، يجب أن يُقاس أي تعديل بقدرته على حماية هذا الوعد وتعزيزه، لا بقدرته على ترك الناس في حالة ترقب وقلق دائم لما قد يطرأ من تغييرات لاحقاً.
