
أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه القاطع لقانون سداد الدين العام رقم (6) لسنة 2025، والذي أصدره مجلس النواب يوم الثلاثاء، داعيًا مصرف ليبيا المركزي بشكل فوري إلى الامتناع عن تنفيذ هذا القانون. يأتي هذا الرفض بناءً على أن القانون صدر دون أي تشاور مسبق، ويخالف بذلك نصوص الاتفاق السياسي الليبي، فضلاً عن تحذيرات المجلس من «تداعيات خطيرة» محتملة، قد تمس الاستقرار الاقتصادي للدولة، وتؤثر على السيادة النقدية، وتضر بحقوق المواطنين الليبيين.
وأفاد مجلس الدولة في بيان صادر عنه أنه «تابع باهتمام بالغ» قانون الدين العام الجديد وما سينتج عنه من «آثار مالية ونقدية وسياسية بالغة الخطورة»، مؤكدًا أن هذه الآثار «تمس جوهر الاستقرار المالي والسيادة الاقتصادية للدولة الليبية». وقد أبدى المجلس ست ملاحظات ومواقف رئيسية بخصوص هذا التشريع.
ملاحظات مجلس الدولة حول قانون الدين العام
أوضح المجلس أن القانون رقم (6) لسنة 2025 لا يقتصر على مجرد تنظيم آلية مالية، بل يضفي صفة المشروعية بأثر رجعي على دين عام ضخم تراكم منذ عام 2014، وذلك في غياب ميزانيات معتمدة وحسابات ختامية. ويُعتبر هذا الإجراء، بحسب المجلس، «مخالفة صريحة لمبادئ المشروعية المالية والشفافية والمساءلة»، كما شدد المجلس على أن القانون «صدر بصورة أحادية دون أي تشاور أو توافق مع المجلس الأعلى للدولة»، وهو ما يُعد «مخالفة صريحة لنص وروح الاتفاق السياسي الليبي» الذي يرسخ مبدأ الشراكة بين المؤسستين التشريعيتين في القضايا السيادية، وفي مقدمتها الشأن المالي والنقدي.
وأضاف المجلس الأعلى للدولة أن الموافقة على دين عام تتجاوز قيمته 303 مليارات دينار، دون إجراء تدقيق مستقل يكشف مصادره، وأسباب نشأته، والجهات المسؤولة عنه، «يمثل تسوية سياسية للأمر الواقع بدلاً من محاسبة حقيقية، ويكرس ثقافة الإفلات من المسؤولية في إدارة المال العام». واعتبر المجلس أن هذا القانون «يشكل تدخلاً مباشراً في اختصاصات مصرف ليبيا المركزي»، من خلال إلزامه بآليات محددة لإطفاء الدين، مما يؤثر على استقلاله المنصوص عليه في قانون المصارف، ويؤدي إلى إرباك السياسة النقدية، ويقوض مبدأ الفصل بين السلطات المالية والتشريعية.
تداعيات القانون على الأمن الاقتصادي
نبه المجلس إلى أن تحميل الخزانة العامة كلفة هذا الدين الضخم عبر خصم مباشر من الإيرادات النفطية وفوائض المصرف المركزي، يعني عمليًا «تحميل المواطن الليبي والاحتياطي العام تبعات أخطاء مالية وإدارية لم يكن طرفًا فيها»، كما أنه يحرم قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية من مواردها المستحقة. وحذر المجلس من أن هذا القانون، بصيغته الحالية، «ستكون له انعكاسات مباشرة على الاستقرار الاقتصادي، وسعر الصرف، والثقة في المؤسسات»، كما أنه قد «يعمق الانقسام المؤسسي ويضعف فرص الوصول إلى تسوية وطنية شاملة».
أكد مجلس الدولة على أن «أي معالجة جادة لملف الدين العام يجب أن تقوم على كشف الحقيقة الكاملة بشأن مصادر الدين وأطرافه، وتحديد المسؤوليات القانونية والسياسية، واحترام مبدأ الشراكة بين المؤسسات، وصون استقلال المصرف المركزي، وعدم تحميل المواطن أعباء تسويات سياسية ومالية معيبة».
إعلان بطلان القانون رقم (6) لسنة 2025
شدد المجلس على أن الأمن المالي والنقدي للدولة «خط أحمر لا يجوز العبث به أو إخضاعه لتسويات سياسية أو مالية معيبة». وبناءً عليه، أكد المجلس «أن القانون رقم (6) لسنة 2025، بصيغته ومضمونه يعد فاقدًا للمشروعية الدستورية والسياسية، ومخالفًا لمبادئ الشرعية المالية»، و«يقع في حكم المعدوم وكأن لم يكن، ولا يرتب أي أثر قانوني صحيح».
دعوة مصرف ليبيا المركزي للرفض
حمَّل المجلس «الجهات التي أقرت هذا القانون بصورة أحادية كامل المسؤولية السياسية والتاريخية عما قد يترتب عليه من تداعيات خطيرة تمس الاستقرار الاقتصادي والسيادة النقدية وحقوق المواطنين». ودعا المجلس «مصرف ليبيا المركزي إلى الاضطلاع بمسؤولياته القانونية والوطنية، والامتناع عن تنفيذ هذا القانون أو ترتيب أي آثار نقدية أو مالية بموجبه»، وذلك «صونًا لاستقلاله وحماية للسياسة النقدية، ومراعاة لخصوصية وحساسية المرحلة الانتقالية».
وفي ختام البيان، أهاب المجلس الأعلى للدولة بالجهات الرقابية والسلطة القضائية «أن تتخذ موقفًا وطنيًا جادًا ومسؤولًا حيال هذا الإجراء، وأن تمارس اختصاصاتها كاملة في الرقابة والمساءلة، حماية للمال العام، وترسيخًا لمبدأ سيادة القانون، ومنعًا لتحميل المواطن الليبي أعباء تسويات غير مشروعة».
تفاصيل قانون سداد الدين العام
يعتمد القانون رقم (6) لسنة 2025، وفقًا لمادته الأولى، الدين العام المصرفي القائم على الخزانة العامة منذ عام 2014 وحتى تاريخ صدوره. تظهر تفاصيل هذا الدين كالتالي:
| وصف الدين | القيمة (دينار ليبي) |
|---|---|
| إجمالي الدين العام المصرفي | 303,441,418,000 |
ويشمل هذا الدين ما يلي:
- سندات وأذونات الخزانة العامة والعوائد المحتسبة لمصلحة مصرف ليبيا المركزي بعد تسوية السندات بالمصارف التجارية.
- السلف المؤقتة والقروض الحسنة الممنوحة من المصرف.
- رصيد الحساب المعلق لديه.
وقد خوّل القانون مصرف ليبيا المركزي صلاحية إطفاء هذه الديون من خلال عدة آليات محددة، وهي:
- خصم 3% من كامل إيرادات الخزانة العامة المتأتية من النفط والغاز والمشتقات الأخرى مباشرة.
- فائض حصة الخزانة العامة من أرباح المصرف المركزي.
- رصيد حساب الرسم الإضافي من عوائد الرسوم على مبيعات النقد الأجنبي.
- رصيد احتياطي إعادة التقييم الناتج عن تغيير القيمة التعادلية للدينار الليبي.
- صافي ناتج إعادة تقييم الأصول الأجنبية.
ويطالب القانون مصرف ليبيا المركزي بقيد المبالغ ضمن الدفاتر والسجلات المحاسبية في تاريخ التسوية، بما يعكس حركة الحسابات المدينة والدائنة الناتجة عن تسوية الدين العام، مع المطابقة مع وزارة المالية والجهات الرقابية.
