«ضمانة الأجيال واستدامة المستقبل» صندوق تقاعد المهندسين يطلق خطة شاملة لتحصين الأصول ومواجهة التحديات

«ضمانة الأجيال واستدامة المستقبل» صندوق تقاعد المهندسين يطلق خطة شاملة لتحصين الأصول ومواجهة التحديات

يقف صندوق تقاعد المهندسين في الأردن اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتشابك تحديات الماضي مع متطلبات الحاضر الملحة، وتبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل نظام لطالما شكل ركيزة أساسية للأمان الاجتماعي للمهندسين. إن الأزمة الراهنة التي يواجهها الصندوق لم تظهر فجأة، بل هي نتاج تراكم طويل الأمد لسياسات وقرارات أدت إلى اختلال مالي واكتواري عميق، يتطلب حلولاً جذرية تتجاوز مجرد المعالجات الوقتية، وفق ما أشارت إليه التقارير الصادرة من عمّان بقلم إيهاب مجاهد.

تحديات مالية واكتوارية متفاقمة

وفقًا لبيان صادر عن نقابة المهندسين، تشير التقديرات الراهنة إلى وجود فجوة تمويلية ضخمة، في حين أن الالتزامات الفورية تتزايد، مما يضغط بشكل كبير على موارد الصندوق. هذه الأرقام تعكس حجم التحدي المالي الذي يواجهه الصندوق، وتبرز الحاجة الماسة لإجراء إصلاحات شاملة لضمان استدامته.

البيان الماليالقيمةملاحظات
الفجوة التمويلية التقديرية1.6 مليار دينارتقديرات حالية.
الالتزامات الفورية (حتى نهاية 2025)84 مليون دينارمعظمها رواتب تقاعدية مستحقة غير مصروفة.
فاتورة الرواتب التقاعدية السنوية65 مليون دينار
العجز السنوي30 مليون دينار

جذور الأزمة: تراكمات تاريخية

لم تتشكل هذه الأرقام الصعبة وليدة اللحظة، بل هي محصلة لتراكمات بدأت منذ تأسيس الصندوق في عام 1973. فقد مر النظام بمراحل تشريعية وإدارية متعددة أثرت سلباً على توازنه الاكتواري، ومن أبرز هذه العوامل إقرار زيادات على الرواتب التقاعدية دون تعديل موازٍ في هيكل الاشتراكات، وإلغاء إلزامية الاشتراك في فترات معينة، بالإضافة إلى تحقيق عوائد استثمارية جاءت دون الفرضيات المعتمدة في الدراسات الاكتوارية، الأمر الذي عمّق الخلل البنيوي تدريجياً.

مسار التدهور المالي للصندوق

تُظهر البيانات المالية للصندوق مساراً واضحاً للتدهور، حيث بلغ الصندوق أولى نقاط التعادل في عام 2013، أي عندما تساوت الإيرادات مع الالتزامات. ومع حلول عام 2014، تجاوز نقطة التعادل الثانية، ليصبح دخل الاشتراكات والاستثمار غير كافٍ لتغطية الالتزامات، مما اضطر الصندوق للسحب من أرباح محفظته الاستثمارية. وازدادت الأوضاع سوءاً في عام 2017، عندما دخل الصندوق مرحلة أكثر حساسية، فلم تعد الإيرادات المتاحة قادرة على تغطية الرواتب التقاعدية، الأمر الذي استدعى بيع الأصول لتسديد الالتزامات المستحقة.

إجراءات المجلس الحالي لاحتواء الأزمة

في مواجهة هذا الواقع المعقد، بدأ المجلس الحالي لنقابة المهندسين بتبني حزمة من الإجراءات الفورية لإدارة هذا الإرث، بهدف رئيسي هو احتواء المخاطر الراهنة وحماية الأصول المتبقية للصندوق. شملت هذه الإجراءات الحاسمة ما يلي:

  • الفصل المالي والإداري بين الصناديق لضمان شفافية أكبر.
  • وقف توليد الذمم المالية الجديدة للحد من تفاقم المديونية.
  • تعليق الاقتراض البنكي لصرف الرواتب التقاعدية، لتقليل الاعتماد على الديون.
  • تجميد بيع الأصول في غياب استراتيجية استثمارية طويلة الأمد.
  • التخارج من استثمارات ثبت عدم ملاءمتها أو جدواها الاقتصادية.
  • إعادة توجيه المحفظة الاستثمارية بالكامل استنادًا إلى دراسات فنية متخصصة لزيادة العوائد.

النهج المؤسسي والعلمي للإصلاح

لم تقتصر جهود النقابة على المعالجات الآنية فحسب، بل امتدت لتشمل تبني مسار مؤسسي وعلمي شامل نحو الإصلاح. في هذا السياق، تم التعاقد مع مؤسسة الضمان الاجتماعي لإعداد الدراسة الاكتوارية العاشرة، التي يُتوقع إنجازها في النصف الأول من العام الحالي، والتي ستوفر تقييمًا دقيقًا لوضع الصندوق. كما كُلّفت الإدارة التنفيذية بإعداد دراسة شاملة لواقع الصندوق منذ تأسيسه، بهدف تشخيص الفجوة التمويلية بشكل دقيق واقتراح بدائل وحلول عملية وواقعية. بالإضافة إلى ذلك، يتم تسريع مشاريع التحول الرقمي ورفع كفاءة الإدارة لضمان حوكمة أفضل وشفافية أعلى.

مشاركة واسعة ورؤية مستقبلية للإصلاح

وفي إطار تعزيز الشفافية وتوسيع قاعدة التشاور، شُكّلت لجنة توجيهية موسعة ضمت 74 عضوًا، عملت عبر فرق متخصصة على إنجاز خمسة سيناريوهات اكتوارية يجري بحثها حاليًا بشكل معمق. ويؤكد مجلس النقابة أن نتائج الدراسة الاكتوارية العاشرة ستشكل المرجعية الأساسية لأي قرارات تنفيذية لاحقة تتعلق بالإصلاحات. كما يشدد المجلس على أن أي إصلاحات مرتقبة ستراعي العدالة بين جميع الفئات ذات العلاقة بالصندوق، بما يشمل المتقاعدين الكرام والمشتركين الحاليين والمهندسين حديثي التخرج. ويتم التركيز على عدم تحميل كلفة الإصلاح للمهندسين الشباب أو تقليص فرصهم المستقبلية، مع ضمان حماية الحقوق المكتسبة واستدامة النظام للأجيال القادمة.

آفاق الإصلاح الشامل

يرى خبراء مختصون أن الإجراءات التي اتخذتها نقابة المهندسين حتى الآن قد أسهمت في تقليص المخاطر المباشرة وكسب وقت ثمين، لكنها لا تمثل حلاً نهائيًا للاختلال البنيوي المتراكم. وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة تتوقف على تطبيق حزمة متكاملة من الإصلاحات التشريعية والمالية والفنية التي من شأنها إعادة التوازن للنظام. الهدف الأسمى هو وضع صندوق التقاعد على مسار استدامة حقيقية، ليواصل دوره كشبكة أمان فعالة للمهندسين بعد سنوات طويلة من التحديات والاضطرابات.

جميع الحقوق محفوظة.

لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.