
بعد أقل من نصف ساعة، تستعد الولايات المتحدة لبدء مفاوضات رسمية قد تؤدي إلى تغيير جذري في النظام الذي بني عليه العالم الغربي، وقد شهدت أسعار النفط ارتفاعًا تجاوز 1% بالفعل ترقبًا لهذه الأحداث.
هذا الاجتماع، الذي سيحتضنه مبنى أيزنهاور التنفيذي بالبيت الأبيض، سيشهد حضور نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، بالإضافة إلى وزيري خارجية الدنمارك وغرينلاند.
على السطح، يبدو جدول الأعمال دبلوماسيًا اعتياديًا:
- «الأمن في القطب الشمالي».
- «الشراكة الاستراتيجية».
- «تطوير الموارد».
لكن الحقيقة داخل الغرفة تبدو أكثر حساسية وتعقيدًا بكثير.
كان الرئيس دونالد ترامب حازمًا في تصريحاته على متن طائرة إير فورس وان، حيث أكد أن أي نتيجة لا تضمن السيطرة الأمريكية الكاملة على غرينلاند ستكون “غير مقبولة”.
وقد أشار أيضًا إلى أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) «يجب أن يتولى زمام المبادرة للحصول عليها»، مصورًا هذا الاستحواذ ليس كطلب، بل كواجب والتزام على الحلف بأكمله.
وبصرف النظر عن التسميات الدبلوماسية، فقد شهد نموذج تسعير الشراكة تحولًا جذريًا بالفعل.
ضريبة التقلب: الأمن بسعر متغير
لعقود طويلة، اعتمد التحالف الأطلسي على نموذج تكلفة ثابتة، حيث كانت الدول الأعضاء تقدم التوافق السياسي وتوفر القواعد العسكرية، مقابل ضمان أمني يمكن التنبؤ به و الاعتماد عليه.
لكن هذا السعر الثابت تحول اليوم إلى سعر عائم، فالتكلفة الجديدة للتعامل مع واشنطن أصبحت تتضمن علاوة تأمين ضد تقلبات وعدم القدرة على التنبؤ بقرارات السلطة التنفيذية الأمريكية.
إنها، في جوهرها، ضريبة تقلب سياسي وأمني.
المادة 5… بسعر فائدة متغير
لفهم حجم القلق المتنامي في بروكسل، ينبغي لنا النظر بعمق إلى آلية الضمان الأمني ذاتها.
صُمم حلف الناتو كأداة أمنية ثنائية واضحة المعالم:
- إما أن تكون محميًا بالكامل.
- أو أنك لست كذلك.
وتُعد المادة الخامسة حجر الزاوية الأساسي الذي يقوم عليه هذا النظام الأمني بأكمله.
لكن الإشارات الأخيرة الصادرة من واشنطن، وخاصة رفضها استبعاد أي تحرك أحادي محتمل بشأن غرينلاند، أدخلت متغيرًا خطيرًا للغاية إلى هذه المعادلة الحساسة.
وما عُرف بـ«الصبر الاستراتيجي» الذي ميّز ردود الفعل الأوروبية على مدى السنوات الماضية قد تبدد تمامًا.
فبعد حادثة إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل الجيش الأمريكي في الثالث من يناير، أعيد تقييم المخاطر النظرية للتدخل العسكري الأمريكي، لتصبح الآن مخاطر واقعية ومباشرة.
لقد كانت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، حازمة في تحذيراتها، مشيرة إلى أن أي تحرك عسكري ضد غرينلاند سيعني أن «كل شيء سيتوقف»، في إشارة واضحة إلى النهاية الفعلية للتحالف الأطلسي.
وقد ردّد هذا القلق مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي، أندريوس كوبيليوس، الذي وصف هذا السيناريو بأنه «غير مسبوق في تاريخ الناتو».
وقال نائب دنماركي سابق بتعبير موجز: «دليل القواعد المعتاد لم يعد يعمل».
من التحالف إلى الصفقة
لقد دفع هذا الواقع الجديد العواصم الأوروبية إلى اتخاذ موقف دفاعي بحت.
فعندما يُضطر وزير دفاع ألماني إلى مناقشة «الخيارات المتاحة لأوروبا» علنًا في مواجهة حليف مقرب، فهذا يشير إلى أن التحالف لم يعد مبنيًا على الثقة الضمنية، بل تحوّل إلى علاقة تجارية قائمة على المقايضة وتبادل المصالح.
التنقيب في الجليد: أسطورة الثروات الجاهزة
من المتوقع أن ترتكز الصفقة التي قد تنتج عن اجتماع اليوم على ركيزتين أساسيتين:
- الإنفاق الأمني.
- الموارد الطبيعية.
يتم تقديم عنصر الموارد، وخصوصًا المعادن الاستراتيجية، على أنه «الحل السحري» القادر على تخفيف حدة التوترات، من خلال منح الولايات المتحدة حصة من الثروات المعدنية لغرينلاند، وبالأخص العناصر الأرضية النادرة.
لكن، من وجهة نظر صناعية وعملية، فإن هذه الرواية تصطدم بحائط جليدي، بالمعنى الحرفي للكلمة.
تمتلك غرينلاند احتياطيات محتملة ضخمة جدًا، وتقدّر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن الجزيرة تضم ثاني أكبر مخزون عالمي من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، بما في ذلك النيوديميوم والديسبروسيوم، وهما عنصران حيويان لتصنيع محركات السيارات الكهربائية وطائرات F-35 المتقدمة.
مع ذلك، فإن هذه الاحتمالات تختلف عن الإنتاج الفعلي، فحتى يومنا هذا، لا يوجد أي منجم نشط لاستخراج العناصر الأرضية النادرة في غرينلاند.
حسابات سيئة في أرض متجمدة
العقبات التي تواجه التعدين في غرينلاند ليست بيروقراطية فحسب، بل هي أيضًا فيزيائية حرارية بطبيعتها.
تمتد غرينلاند على مساحة شاسعة تبلغ 2.17 مليون كيلومتر مربع، حيث يغطي الجليد 80% من أراضيها، مما يجعل الجدوى الاقتصادية للتعدين هناك كارثية مقارنة بدول مثل أستراليا أو البرازيل.
وتشمل أبرز التحديات:
- **الفجوة في البنية التحتية:** لا توجد طرق داخلية تربط المدن ببعضها، ويجب شحن جميع المعدات الثقيلة بحراً أو نقلها بواسطة المروحيات.
مقارنة بتكلفة رأس المال في المناطق المعتدلة، فإن تكلفة رأس المال في غرينلاند أعلى بكثير:
| المنطقة | تكلفة رأس المال |
|---|---|
| المناطق المعتدلة | الأساس (100%) |
| غرينلاند | أعلى بـ 150% إلى 300% |
- **مشكلة الطاقة:** لا تتوفر شبكة كهرباء عامة، ويتطلب أي منجم إنشاء محطة طاقة خاصة به، كما أن الوقود عرضة للتجمد في درجات الحرارة المنخفضة جدًا، بينما الطاقة المتجددة تواجه تحدي ثلاثة أشهر من الظلام الكامل سنويًا.
وقد صرح إيان لانغ، أستاذ الاقتصاد في كلية كولورادو للمناجم، قائلًا: «الجميع يسارعون للوصول إلى مرحلة الإنتاج… لكن الذهاب إلى غرينلاند يعني العودة إلى نقطة البداية تمامًا».
إذا قرر الاتحاد الأوروبي مضاعفة استثماراته لتلبية المطالب الأمريكية، فهذا يعني تقديم دعم حكومي هائل، أي تحويل الأموال العامة لجعل مشروع خاسر قابلاً للحياة، ليس بسبب حاجة السوق إليه، بل لأن السياسة تفرضه.
نحن أمام مشهد تعرض فيه أوروبا بناء منجم خاسر مقابل شراء الاستقرار الجيوسياسي.
الوصول أم الملكية؟ المفارقة الاستراتيجية
الركيزة الثانية لهذه الصفقة تتمثل في تعزيز البنية الأمنية في منطقة القطب الشمالي، وقد مهد الأمين العام للناتو، مارك روته، لذلك من خلال تأكيده أن الحلف يبحث سبل «تعزيز أمن القطب الشمالي»؛ لكن التدقيق في الموقف يكشف عن مفارقة واضحة في الطرح الأمريكي، فإذا كان الهدف الحقيقي هو ردع روسيا والصين، فإن الولايات المتحدة تمتلك هذا الوجود بالفعل.
يدير الجيش الأمريكي قاعدة بيتوفيك الفضائية (ثول سابقًا)، التي تُعد ركيزة أساسية للدفاع الصاروخي، كما يمنحه اتفاق عام 1951 حقوقًا واسعة للعمل بحرية في الجزيرة، وبالتالي، فإن المطالبة بـ«الملكية» بدلًا من الاكتفاء بـ«الوصول» تشير إلى أن الدافع ليس أمنيًا بحتًا، بل يتعلق بترسيم النفوذ الرسمي على الخريطة الجيوسياسية.
وراثة عبء متجمد
- غرينلاند إقليم يتمتع بشبه استقلال، وله ثقافة مميزة، ويعتمد على شبكة أمان اجتماعي مدعومة بالكامل من الدنمارك.
- أي تغيير في وضعها الراهن سيؤدي إلى تحويل هذا العبء المالي الكبير مباشرة إلى واشنطن.
وقد صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بوضوح قائلة: «غرينلاند ملك لشعبها».
تاريخيًا، سجل الولايات المتحدة في إدارة الأقاليم التابعة لها يُعد ضعيفًا، كما هو الحال في بورتوريكو وغوام.
وبالنسبة لدافعي الضرائب الأمريكيين، فإن الاستحواذ على غرينلاند سيعني وراثة عبء مالي هائل ومُتجمد، مع عائدات قد لا تظهر إلا بعد عقود طويلة.
تمزيق عقد 1945
لكن البند الأخطر في هذه الصفقة المحتملة ليس ماليًا، بل يكمن في هيكلها وبنيتها الأساسية.
فإذا أجبرت الولايات المتحدة حليفًا أساسيًا في الناتو على التنازل عن أراضيه، سواء من خلال الضغط الاقتصادي أو التهديد الضمني باستخدام القوة، فإن هذا الفعل يمثل خرقًا خطيرًا للنظام الأمني الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
العقد الذي صاغته واشنطن نفسها في عام 1945 كان واضحًا لا لبس فيه:
- لا يجوز تغيير الحدود بالقوة، ويجب أن تكون سيادة الحلفاء مصونة ومحترمة.
- وبالتالي، فإن تهديد وضع غرينلاند يعني تمزيق هذا العقد الأساسي.
وقد عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن ذلك بقوله: “قانون الأقوى لا يمكن أن يحكم العالم”.
وحتى بريطانيا، التي تُعد تقليديًا الجسر الواصل بين أوروبا وواشنطن، رسمت خطًا أحمر واضحًا، حيث أفادت تقارير أن رئيس الوزراء كير ستارمر قال لترامب بشكل مباشر: «أبقِ يديك بعيدًا عن غرينلاند».
ملاءة الغرب على المحك
بينما يجلس الوزراء اليوم في محاولة لتسعير صفقة لم تُصمم في الأساس للبيع أو المساومة، سيضغط الجانب الأمريكي بوضوح من أجل حقوق معادن مضمونة، و«علاوة أمنية» تمولها أوروبا.
ومن المتوقع أن تقدم أوروبا تنازلات إضافية في محاولة لشراء عام آخر من السيادة، لكن الحقيقة الأعمق التي يجب إدراكها هي أن الرهن العقاري الثابت الذي كان يحكم التحالف الأطلسي قد انتهى بالفعل.
نحن الآن نعيش في عالم تسود فيه أسعار الفائدة المتغيرة، حيث التقلبات عالية ومستمرة.
