كتب- محمد قادوس:
في استفسار مؤثر يجسّد تحديات الحياة الأسرية، تلقّت دار الإفتاء المصرية سؤالًا من فارس، شاب يبلغ من العمر 30 عامًا من أسوان، يعتني بوالدته المريضة، بينما يُقصر إخوته في رعايتها بشكل ملحوظ. سأل فارس: “هل عليّ إثم لو قطعت إخوتي بسبب تقصيرهم مع والدتي؟”.
حكم قطيعة الرحم
أجاب الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، خلال برنامجه “فتاوى الناس” المذاع على قناة “الناس”، مؤكدًا أن قطيعة الرحم أمر لا يُستحل ولا يُستباح أبدًا، ولا يجوز للإنسان أن يتخذ من تقصير البعض في بر الوالدين مبررًا لقطع صلة الرحم مع الإخوة أو الأقارب، مشددًا على أن صلة الرحم باب مستقل بذاته، وبر الوالدين باب آخر عظيم، ولا يصح إغلاق باب بحجة فتح باب آخر.
أصناف الناس في بر الوالدين
وأوضح أمين الفتوى أن الناس ينقسمون إلى فريقين تجاه آبائهم وأمهاتهم، فمنهم من شرح الله صدره للبر، فأصبح بارًا بوالديه، يسعى في قضاء حوائجهما ويتمنى رضاهما، ومنهم من أغلق الله قلبه عن هذا الباب المبارك، فحُرم من البر وبالتالي حُرم من الرحمة التي ينالها البار بوالديه، مشيرًا إلى أن هذا الحرمان بحد ذاته يُعد عقوبة عظيمة لكل من قصّر في حق والديه.
فضل النظر إلى الوالدين
وأكد الشيخ عويضة عثمان أن النظر إلى وجه الأب أو الأم بعين الرحمة والشفقة يُعد عبادة عظيمة يؤجر عليها الإنسان، وهي في منزلة النظر إلى المصحف الشريف أو الكعبة المشرفة، موضحًا أن من ينظر إلى أمه نظرة رحمة لمشقتها في التربية والسهر والتعب، فإن الله تعالى يؤجره على هذه النظرة وحدها، وهو أجر لا يستهان به.
نصيحة للمطيعين ودعوة للإصلاح
وشدد أمين الفتوى على أن من منّ الله عليه وشرح صدره للبر بوالديه، فعليه أن يحمد الله على هذه النعمة الجليلة، وأن يسعى جاهدًا لتذكير إخوته بفضل بر الوالدين وعظيم أجره، لا أن يقاطعهم، فالمقاطعة ليست أبدًا وسيلة للإصلاح، وإنما الإصلاح الحقيقي يأتي بالموعظة الحسنة، والتذكير بالثواب، والترغيب في الخير، والدعاء لهم بالهداية.
تجنب الوسائل الخاطئة في الإصلاح
وأضاف الشيخ عويضة أن الإنسان قد تكون لديه غاية سامية ونبيلة، لكنه قد يسلك وسيلة خاطئة تُفضي إلى نتائج أسوأ مما كانت عليه، فبدلًا من أن يكون الإخوة مقصرين في حق الوالدين، يصبح الجميع مقاطعين ومتخاصمين، وهذا قد يؤدي إلى تفاقم القسوة والجفاء وتدمير العلاقات الأسرية، فمن يقطع أباه أو أمه قد يقطع أخاه بسهولة ودون تردد.
كن قدوة حسنة في بر الوالدين
لذلك، أشار أمين الفتوى إلى أن الأَوْلى والأفضل هو الصبر الجميل على تقصير الإخوة، والدعوة المستمرة لهم بالهداية، والتذكير المتواصل بفضل بر الوالدين في حياتهما، واغتنام فرصة وجود الأب أو الأم على قيد الحياة، لأن البر بهما يُعد من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ومن أبواب الجنة الواسعة.
ودعا الشيخ عويضة عثمان إلى أن يكون الإنسان قدوة حسنة لإخوته في بر والدتهم ورعايتها، وأن يشجعهم على المشاركة الفاعلة في خدمتها والاهتمام بها، حتى ينالوا جميعًا الأجر والثواب العظيم من الله تعالى، مؤكدًا أن صلة الرحم لا تُقطع مهما كان حجم التقصير من الأطراف الأخرى، وأن بر الوالدين باب عظيم يؤدي مباشرة إلى الجنة.
اقرأ ايضًا:
التجليات الكبرى في معجزة الإسراء والمعراج.. يكشف عنها عالم أزهري
علي جمعة يوضح معنى وصف سيدنا محمد “صخرة الكونين وسند العالمين”
