«قضية مصيرية» معدل الضمان يدفع نحو حوار وطني مؤسسي لتأمين مستقبل الأجيال

«قضية مصيرية» معدل الضمان يدفع نحو حوار وطني مؤسسي لتأمين مستقبل الأجيال

يُعد الضمان الاجتماعي وصناديق التقاعد ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء، فهو يوفر مظلة حماية للإنسان، ويضمن له حياة كريمة على مستوى الدولة والأسرة والفرد، خصوصًا في ظروف العجز أو في مراحل العمر المتقدمة.

إن صون حقوق المؤمن عليهم ومركزهم القانوني، بالإضافة إلى الحفاظ على الحقوق المكتسبة، يُشكل مسؤولية وطنية شاملة تبدأ من الدولة وتتجسد في الأجهزة المعنية بإدارة الضمان الاجتماعي، ويبرز هنا الدور الحيوي لصندوق الاستثمار الذي يُعد، بعد الاشتراكات الشهرية، المورد المالي الأهم الذي يغذي هذا النظام.

تحديات نشأة قانون الضمان الاجتماعي

مع بدء سريان القانون في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، بدأت التجربة الأولى لتطبيق تشريع أُعد بالاستناد إلى نماذج دولية رائدة، حيث تضمن بنودًا خاصة بالتقاعد المبكر، الذي كان يُفترض أن يعالج حالات العاملين في المهن الخطرة، مثل مناجم الفحم والتعدين والمفاعلات النووية، ولكنه طبق بشكل عام دون قيود على طبيعة المهنة أو المخاطر الصحية، حيث أتاح التقاعد بعد 15 سنة خدمة وبلوغ 45 عامًا على الأقل، الأمر الذي فاجأ الجميع كان يتعلق بآلية احتساب الراتب التقاعدي، إذ أتاحت لأرباب العمل زيادة الرواتب بشكل كبير في السنوات الأخيرة قبل التقاعد، ما أدى إلى حصول العاملين على رواتب تقاعدية عالية بسقوف مفتوحة، هذا الوضع استدعى تعديلات ضرورية، بدأت بتحديد نسب ارتفاع وانخفاض الراتب الخاضع للاحتساب خلال السنوات الخمس الأخيرة من الخدمة، تبعها تعديل آخر لوضع سقف للراتب التقاعدي، وذلك بعدما أدت الرواتب المرتفعة إلى استنزاف كبير لتحصيلات الضمان السنوية.

فلسفة التعديلات التشريعية

بينما تسعى التعديلات على أي تشريع لمواكبة التطورات المستمرة في بيئة العمل، فإن التعديلات الخاصة بقانون الضمان الاجتماعي تتجاوز ذلك لتشمل أولويات استراتيجية تهدف إلى إبعاد نقطة التعادل بين الإيرادات والنفقات إلى أقصى مدى زمني ممكن، لضمان استدامة النظام المالي.

التعزيزات والتطويرات في التعديلات الجديدة

تضمنت التعديلات الأخيرة على القانون نقاطًا إيجابية ومحورية تُسهم بفاعلية في تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، وتوسيع قاعدة المشمولين، كما عملت على ترسيخ استدامة النظام التأميني ككل، وهو ما يصب مباشرة في خدمة مقاصد الضمان الاجتماعي وفلسفته الجوهرية.

لقد نصت مسودة مشروع القانون المعدل على تشديد العقوبات بحق المؤسسات التي تتهاون في الالتزام بأحكام القانون، ومن أبرز التعديلات الجوهرية كان استحداث منصب محافظ للضمان الاجتماعي، وهو ما يمنح المؤسسة استقلالية كاملة عن الإدارة الحكومية المباشرة، ويُسهم بشكل كبير في الارتقاء بكفاءة القرارات الاستثمارية، ويعزز الشفافية والحوكمة.

أهمية الحوار الوطني حول القانون

لقد أثار مشروع القانون المعدل نقاشات واسعة، حيث أبدت العديد من منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية تحفظاتها على بعض مواده، وهذا التفاعل يُعد ظاهرة صحية وإيجابية تعكس حيوية المجتمع واهتمامه بالقضايا الوطنية المصيرية.

في خطوة أولى نحو حوار مفتوح وشامل، قامت الحكومة اليوم برفع مشروع القانون على منصة ديوان التشريع والرأي، وذلك بهدف تلقي الملاحظات والآراء حول نصوصه، مما يفتح المجال أمام مشاركة مجتمعية أوسع.

من هذا المنطلق، نأمل أن تكون الملاحظات المقدمة حول مشروع القانون المعدل جادة وبناءة، وأن تُسهم في تحقيق أهدافه المرجوة، يلي ذلك ضرورة إطلاق حوار وطني شامل يضم منظمات المجتمع المدني، وغرف الصناعة والتجارة، والجمعيات، والنقابات المهنية، لكون هذا القانون يؤثر بشكل مباشر على كل فرد في المجتمع، بعد هذه المرحلة، ستصل النسخة المحسنة من المشروع إلى مجلس النواب، حيث سيمر بسلسلة من الإجراءات التشريعية، بدءًا من المناقشة في اللجان المختصة، مثل لجنتي “العمل” و”القانونية”، ثم المناقشة تحت القبة، وصولًا إلى مجلس الأعيان ولجانه، وبعد إقراره، يُرفع القانون إلى المقام السامي لينال التوشيح بالإرادة الملكية السامية، إيذانًا ببدء نفاذه.

بالنظر إلى الأهمية البالغة لهذا القانون، فإنه يستوجب حوارًا وطنيًا جادًا وملتزمًا، يهدف إلى بناء قاعدة تشريعية متينة تجمع بين متطلبات الاستدامة المالية وتراعي أحدث التطورات الاكتوارية، مع الحفاظ على صون الحقوق المكتسبة وتعزيز مبادئ العدالة الاجتماعية بين مختلف الأجيال، لضمان مستقبل آمن للجميع.