«قفزة نوعية نحو استدامة الطاقة: مصر ترسم خريطتها الخضراء» نائب وزير الكهرباء يكشف عن قدرات ضخمة: مشاريع الطاقة المتجددة قيد التنفيذ تتجاوز 22 جيجاوات

«قفزة نوعية نحو استدامة الطاقة: مصر ترسم خريطتها الخضراء» نائب وزير الكهرباء يكشف عن قدرات ضخمة: مشاريع الطاقة المتجددة قيد التنفيذ تتجاوز 22 جيجاوات

عقد المركز المصري للدراسات الاقتصادية مؤخرًا ندوته الافتتاحية ضمن سلسلة نقاشات متعمقة حول مستقبل الطاقة في مصر، تحت عنوان: “أين مصر من الوصول إلى كامل إمكاناتها في الطاقة الجديدة والمتجددة”. شهدت الندوة، التي استضافت نخبة من خبراء الطاقة والمسؤولين التنفيذيين، نقاشات بناءة ركزت على استكشاف الإمكانات الهائلة لمصر في مجالات الطاقة المتجددة، ودور الجهات الفاعلة الرئيسية مثل وزارة الكهرباء، وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، والقطاع الخاص في تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس، مع تحليل دقيق للتحديات الفنية التي تواجه الشبكة وفرص الاستثمار الواعدة. شددت الندوة على ضرورة إعادة تقييم الأولويات الوطنية لتعظيم الاستفادة من موارد الطاقة الشمسية والرياح، بهدف تقليل الاعتماد على الغاز المستورد وتعزيز أمن الطاقة.

ملامح رؤية مصر للطاقة المتجددة

صرحت الدكتورة عبلة عبد اللطيف، المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، بأن المركز يجري حاليًا دراسة شاملة تشمل تحليلًا دقيقًا للشبكة الكهربائية والقدرات الإنتاجية المتاحة. وأضافت أن المركز يخطط لعقد سلسلة من الندوات المتتابعة لتقديم نتائج هذه الدراسة إلى الحكومة، بهدف دعم جهود تحسين التخطيط الوطني لقطاع الطاقة وتحفيز الاستثمارات المحلية والدولية في هذا المجال الحيوي، مؤكدة على الأهمية البالغة للربط الداخلي الفعال بين المؤسسات المعنية، وربط مصر بالدول المجاورة لتعظيم الاستفادة المشتركة من موارد الطاقة المتجددة.

في سياق متصل، استعرضت المهندسة صباح مشالي، نائب وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، التطورات التاريخية التي مر بها قطاع الكهرباء المصري منذ الفترة بين عامي 2007 و2008. أوضحت أن الاعتماد شبه الكلي على الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة أدى إلى اختلالات واضحة في مزيج الطاقة، بالإضافة إلى نقص متكرر في إمدادات الغاز الطبيعي. وأضافت أن الدولة تبنت منذ عام 2014 رؤية استراتيجية جديدة، تجسدت في إعداد الاستراتيجية الوطنية للطاقة، بهدف دمج مصادر الطاقة المتجددة بشكل فعال ضمن مزيج الطاقة المصري، مشيرة إلى تخصيص مساحات واسعة من الأراضي لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة لإعداد “أطلسي الرياح والشمس”، الذي يحدد المواقع الأمثل للمشاريع الجديدة بناءً على معايير فنية واقتصادية دقيقة.

وأشارت المهندسة مشالي إلى أن مصر بدأت تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة بخطوات تدريجية، من خلال محطات الرياح في الزعفرانة وجبل الزيت. ومع تطور القطاع، دخل القطاع الخاص بقوة في التنفيذ، بينما اضطلعت الدولة بدور المشتري الرئيسي للطاقة، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة العمل وتعزيز التنافسية. وذكرت أن مشروع بنبان للطاقة الشمسية كان بمثابة نقطة تحول محورية، حيث استهدف إنتاج نحو 2000 ميغاوات، وتمكن من تنفيذ حوالي 1500 ميغاوات بمشاركة أكثر من 32 مستثمرًا وجهة تمويل دولية، موضحة أن أسعار شراء الطاقة في بنبان ارتبطت بظروف انخفاض التصنيف الائتماني لمصر وارتفاع مخاطر الدولة في تلك الفترة، إلا أنها أثبتت قدرة مصر على تنفيذ مشاريع ضخمة حتى في أوقات عدم الاستقرار.

وتطرقت نائب وزير الكهرباء إلى سعي مصر الطموح لزيادة نسبة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة لتصل إلى 42% بحلول عام 2030، مع وجود مشروعات تتجاوز قدرتها 22 جيجاوات قيد التنفيذ أو التمويل أو الإغلاق المالي، وتنفذها شركات من القطاع الخاص بأسعار تنافسية عالميًا. وفيما يتعلق بقطاع الطاقة النووية، أشارت إلى التقدم المحرز في تنفيذ مشروع الضبعة بقدرة 4800 ميغاوات، والذي من المتوقع أن تبدأ أولى وحداته بالعمل بنهاية عام 2028، ليكتمل المشروع بحلول عام 2030، مؤكدة على أهمية الطاقة النووية كعنصر استقرار رئيسي للشبكة الكهربائية، إلى جانب الدراسات المستقبلية لتقنيات نووية متطورة.

وعلّقت المهندسة مشالي بأن الحكومة لا تسعى لإلغاء نظام صافي القياس، بل تعمل على إعادة تنظيمه بدقة بعد دراسة مستفيضة لقدرات الشبكة، وذلك لتفادي أي اختناقات مستقبلية وتحديد المواقع الأنسب للمشروعات الجديدة، بما يحقق التوازن بين مصلحة المستثمرين وسلامة واستقرار الشبكة. وفي هذا الصدد، سيتم عقد جلسة حوار مجتمعي مع المستثمرين للتوصل إلى حلول توافقية، مؤكدة في ملف الهيدروجين الأخضر أن مصر تُعد من الدول الرائدة في المنطقة، بوجود خمسة مشروعات قائمة على أرض الواقع تنفذها شركات من القطاع الخاص، وتعتمد هذه المشروعات على خطوط ربط مباشرة بمصادر الطاقة المتجددة، لتخفيف الضغط على الشبكة القومية.

كما تناولت ملف الربط الكهربائي الإقليمي، فذكّرت باستمرار مشاريع الربط مع الأردن وليبيا والسودان، والقرب من تشغيل مشروع الربط الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى مشروعات مستقبلية طموحة مع اليونان وإيطاليا، مع الإشارة إلى أن هذه المشاريع تتطلب فترات تنفيذ طويلة ودراسات فنية دقيقة ومعمقة لضمان نجاحها.

وأكدت المهندسة صباح مشالي أن استراتيجية الطاقة المصرية هي رؤية شاملة ومتكاملة، لا تقتصر على الكهرباء فحسب، بل تشمل أيضًا قطاعي البترول والغاز، وتراعي التزامات الدولة الطموحة بخفض الانبعاثات الكربونية. كما شددت على الاستمرار في دراسة مشروعات الضخ والتخزين واستخدام البطاريات لتعزيز استقرار الشبكة، بالإضافة إلى توطين الصناعة المحلية في مشاريع الطاقة الجديدة والمتجددة، لدعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل جديدة.

دور هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة والحوافز الاستثمارية

من جانبه، أكد المهندس إيهاب إسماعيل، رئيس هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، أن الدور المحوري للهيئة يتركز حاليًا على إتاحة وتخصيص الأراضي المناسبة لمشروعات الطاقة المتجددة، باعتبارها الركيزة الأساسية لأي مشروع ناجح. واستعرض بدايات الهيئة في مشروعات طاقة الرياح، بدءًا من عام 1995 بمحطة الغردقة بقدرة 5 ميغاوات، مرورًا بمحطات الزعفرانة التي ضمت 8 محطات بإجمالي قدرة نحو 540 ميغاوات.

وأشار إلى أن مصر تتمتع بميزة تنافسية كبيرة في مجال الطاقة الشمسية بفضل سطوع الشمس المرتفع، بينما يختلف وضع طاقة الرياح التي تعتمد على مناطق محددة تتميز بسرعات رياح مناسبة. هذا يتطلب تنسيقًا معقدًا للحصول على الموافقات، يصل إلى نحو 12 جهة مختلفة، خاصة في منطقة خليج السويس المعروفة بسرعات رياحها العالية، لكنها تعتبر منطقة حساسة لمسارات هجرة الطيور.

وذكر المهندس إسماعيل أنه يتم منح المستثمرين في مشروعات الطاقة المتجددة “الرخصة الذهبية” بقرار مباشر من مجلس الوزراء، وهو إجراء يسهل عليهم عملية التنفيذ بشكل كبير دون الحاجة للرجوع إلى جهات متعددة خلال مراحل الإنشاء، مما يختصر الجداول الزمنية للمشاريع. وفي جانب الحوافز الاستثمارية، أكد على التخفيضات الكبيرة التي تم تطبيقها لدعم القطاع، والتي يمكن تلخيصها في الجدول التالي:

النوعالقيمة الجديدة
الرسوم الجمركية على معدات الطاقة المتجددة2%
ضريبة القيمة المضافة5%

وتقوم الهيئة بإصدار الخطابات اللازمة للمستثمرين بعد مراجعة دقيقة للمستندات والفواتير وبوالص الشحن، لضمان استحقاقهم لهذه الحوافز بكفاءة وشفافية.

وأكد رئيس هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة أن تخصيص الأراضي لمشروعات الطاقة المتجددة يتم بالتنسيق المسبق والمحكم مع الشركة المصرية لنقل الكهرباء، لضمان قدرة الشبكة القومية على استيعاب القدرات الجديدة وربطها دون أية مشكلات فنية محتملة، مشددًا على أن هذا التنسيق المسبق يمثل عنصرًا حاسمًا لا غنى عنه قبل اتخاذ أي قرار بتنفيذ مشروع جديد.

تحديات التعريفات وفرص الاستثمار الجديدة

من جانبها، أكدت المهندسة غادة درويش، المدير الإقليمي لشركة Globeleq ورئيسة الجمعية المصرية للطاقة المتجددة، أن التعريفات الحالية للطاقة المتجددة في مصر، على الرغم من انخفاضها مقارنة بدول أخرى، إلا أنها غالبًا ما لا تكفي لتغطية تكاليف التطوير للمستثمرين الذين يتحملون تمويل دراسات المشاريع من أموالهم الخاصة.

وأشارت إلى أن المناقصات الجديدة لمرحلة التأهيل المسبق تمثل فرصة واعدة للمستثمرين المؤهلين للتقدم والحصول على تعريفات عادلة ومنصفة، مما يجعل المشاريع مربحة بشكل مقبول ومستدام، مع مراعاة دقيقة لأسعار السوق وتجنب تحميل الدولة أعباء مالية إضافية. وأكدت أن هذه المناقصات الجديدة تعكس تطور السوق وتتيح فرصًا جاذبة لجذب التمويل اللازم للمشروعات الكبرى، مع الحفاظ على استدامة التكاليف وتعزيز تنافسية القطاع.