
في عالمنا المعاصر الذي يتسم بالتغير السريع وتعدد وجهات النظر، يمثل الاختلاف في الرأي جزءًا أساسيًا وطبيعيًا من تفاعلاتنا اليومية، سواء في بيئة العمل، داخل الأسرة، أو حتى بين الأصدقاء. إلا أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية التعبير عن وجهات نظرنا بثقة تامة واحترام كامل للآخرين، دون إلحاق أي ضرر بمشاعرهم أو الإساءة لهم. لهذا السبب، استشرنا الخبيرة شريهان الدسوقي، المتخصصة في الإتيكيت والعلاقات الإنسانية، التي سلطت الضوء على أهمية الإتيكيت الاجتماعي كأداة فعالة للغاية لتنظيم الحوار، وضمان الحفاظ على علاقات متوازنة ومستدامة، وقدمت النصائح التالية:
أهمية التعبير بلطف ولباقة
إن التعبير عن رأينا بأسلوب مهذب ولبق لا يقلل إطلاقًا من قوة الموقف أو جوهر الفكرة، بل على العكس تمامًا، فهو يعكس احترامنا العميق لوجهات نظر الآخرين، ويظهر نضجنا في التعامل. عندما نعتمد أسلوب الحوار الهادئ والواضح، يصبح إيصال الأفكار، حتى تلك التي تبدو متباينة تمامًا، أمرًا يسيراً ومقبولاً، مما يقلل بشكل كبير من فرص التصعيد أو حدوث المشاحنات غير المرغوبة.
خطوات عملية للتعبير عن الاختلاف باحترافية
الاستماع بتمعن قبل التحدث
قبل الشروع في طرح وجهة نظرك الشخصية، من الضروري جدًا أن تمنح الطرف الآخر الفرصة الكافية للتعبير عن رأيه بكل حرية ووضوح، دون مقاطعة أو استعجال. هذا السلوك يخلق جوًا من التقدير المتبادل، ويعزز شعوره بالاحترام، مما يزيد بشكل ملحوظ من احتمالية تقبله لوجهة نظرك عندما يحين دورك في التعبير.
صياغة الرأي بأسلوب بناء
ينبغي عليك استخدام عبارات تركز على الشعور الشخصي أو وجهة النظر الخاصة بك، مثل “أنا أشعر” أو “أرى أن”، بدلاً من توجيه اتهامات مباشرة مثل “أنت مخطئ” أو “كلامك خطأ”. هذه الطريقة الفعالة تحول النقد المباشر إلى تعبير شخصي محترم عن وجهة نظرك، دون أن تهاجم الشخص نفسه أو تقلل من شأنه. من الأهمية بمكان أيضًا تجنب الكلمات اللاذعة، العبارات الساخرة، أو أي نبرة عدائية، فالكلمات الجارحة تؤدي حتمًا إلى إحباط الطرف الآخر، وقد تخلق خلافًا دائمًا وتؤثر سلبًا على العلاقة. لذا، احرص دائمًا على التركيز على الفكرة أو الموضوع المطروح للنقاش، وليس على شخصية الطرف الآخر أو صفاته الشخصية، فالاختلاف الحقيقي يجب أن يدور حول المحتوى لا الأشخاص.
الأثر الإيجابي للإتيكيت على العلاقات
تؤكد خبيرة الإتيكيت أن تطبيق هذه الخطوات السابقة بفاعلية يسهم بشكل مباشر في تعزيز مستويات الثقة المتبادلة، ويقوي أواصر العلاقات الاجتماعية والمهنية على حد سواء. علاوة على ذلك، يكتسب الفرد من خلالها قدرة فائقة على إدارة النقاشات الصعبة والمعقدة بكفاءة واقتدار، مما يجعل الآخرين أكثر انفتاحًا واستعدادًا للاستماع إلى وجهات نظره والتعاون معه. فالأفراد الذين يلتزمون بمبادئ الإتيكيت في حواراتهم يُنظر إليهم دائمًا على أنهم ناضجون، متوازنون، ويمثلون قدوة يحتذى بها في بيئتهم المحيطة.
الاختلاف البناء يحفظ الكرامة والعلاقات
تختتم الخبيرة شريهان الدسوقي حديثها مؤكدة أن “الاختلاف في الرأي هو جزء أصيل وطبيعي من نسيج الحياة اليومية، لكنه يتحول إلى تجربة مثمرة وبناءة حقًا عندما يتم التعبير عنه بذكاء فائق واحترام متبادل. فالإتيكيت في هذا السياق ليس مجرد مجموعة من القواعد الجامدة، بل هو أسلوب حياة متكامل يمكن كل فرد من الحفاظ على كرامته وتقديره لذاته، وفي الوقت ذاته يعزز علاقاته الإنسانية والمهنية. إنه يحوّل أي نقاش قد يحمل بذور الخلاف إلى فرصة ثمينة للتفاهم العميق والنمو المشترك بين الأطراف”.
