«لحظة الحقيقة» استراتيجية الضمان الاجتماعي موازنة بين استدامة الصندوق وأفق الإصلاح الوطني الشامل

«لحظة الحقيقة» استراتيجية الضمان الاجتماعي موازنة بين استدامة الصندوق وأفق الإصلاح الوطني الشامل

خارج النص – كتب حلمي الأسمر

حين أعلنت الحكومة عن تعديلات قانون الضمان، بدت المسألة كأنها إجراء جراحي بسيط: رفع طفيف لسن التقاعد، زيادة لسنوات الاشتراك، وتعديل للتقاعد المبكر، بهدف ضمان الاستدامة، لكن الواقع أعمق وأكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في سن الستين أو الخامسة والستين، ولا في عدد الاشتراكات المطلوبة، بل في جوهر السؤال: هل نعالج العَرَض أم المرض ذاته؟ لأن المرض الأساسي لا يكمن في نصوص القانون، بل في اقتصاد متدهور، وسوق عمل عاجز عن توليد فرص كافية، وشباب يترقب وظيفة لا تلوح في الأفق، بالإضافة إلى فساد مستشرٍ تحول إلى مؤسسة قائمة بذاتها، تدير شؤونها بمعايير سرية تقرب وتبعد الأفراد بمعادلات لا تمت للكفاءة بصلة.

الضمان الاجتماعي: بين الاعتماد على الاشتراكات وتحديات الاقتصاد

تعتمد المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بطبيعتها، على اشتراكات العاملين الحاليين لدفع مستحقات المتقاعدين، مع استثمار أموالهم في أدوات متنوعة، يشكل جزء كبير منها سندات حكومية، وهذا يعني أن الحكومة ذاتها، ممثلة بوزارة المالية الأردنية، مدينة بمليارات الدنانير لصندوق تقاعد المواطنين، وعلى الرغم من أن هذا الإجراء يبدو قانونيًا وطبيعيًا في صناديق التقاعد العالمية، دون الخوض في المشاريع الفاشلة التي استثمر فيها الضمان أموال الناس بأوامر عليا، يبقى السؤال الأهم اقتصاديًا: ماذا سيحدث إذا استمر الاقتصاد في التباطؤ؟ ماذا لو تفاقمت مشكلة البطالة؟ ماذا لو انخفض عدد الشباب المنضمين حديثًا إلى سوق العمل؟ في تلك الحالة، ستتراجع حصيلة الاشتراكات، وتزداد المدفوعات المطلوبة، مما يضع الصندوق تحت ضغط مزدوج يتمثل في ارتفاع البطالة وتضخم الدين العام.

ارتباط الضمان بصحة الاقتصاد: رؤية الخبراء

ذكر لي أحد خبراء الاقتصاد، والذي لا يحمل أي توجهات سياسية معارضة أو مناكفة للحكومة، بل هو “تكنوقراط” كما يُطلق عليهم، تصورًا لركود اقتصادي محتمل خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث قد تغلق الشركات أبوابها أو تقلص عملياتها، ويجد الشباب صعوبة في الحصول على وظائف، ويُحال الموظفون إلى التقاعد المبكر قسرًا، في هذه الظروف، لن يكون لرفع سن التقاعد أثر كبير، فالشخص الذي يفقد عمله لن ينتظر حتى سن الخامسة والستين، بل سيبحث عن أي بديل، في هذه اللحظة، سيزداد اعتماد الصندوق على عوائد استثماراته، وإذا كانت نسبة كبيرة من هذه الاستثمارات مرتبطة بالدين الحكومي، فإن أي ضغط على الميزانية العامة للدولة سينعكس سلبًا ومباشرة على أموال الضمان، وهكذا، يصبح الصندوق مرهونًا بصحة الاقتصاد الوطني، لا بمجرد نص القانون، فالحقيقة التي قد لا نرغب بسماعها هي أن الضمان ليس كيانًا مستقلًا ومنفصلًا، فإذا ضعف الاقتصاد، سيتعثر الضمان، وإذا ارتفعت البطالة، سيتراجع الدخل، وإذا هاجر الشباب، سيتقلص عدد المشتركين، إن رفع سن التقاعد قد يؤجل المشكلة لعشر سنوات، لكنه لن يحلها بشكل جذري، إنه يمنحنا وقتًا إضافيًا، لكنه لا يغير المسار إذا بقيت العوامل الأساسية كما هي، وبعبارة أخرى: نحن كحكومة، نحل المشاكل التي صنعناها على حسابكم أيها المواطنون!

الإصلاح الحقيقي: خلق فرص العمل وتنمية الاقتصاد

السؤال المحوري إذن ليس حول رفع سن التقاعد من عدمه، بل حول مجموعة من التحديات الجوهرية: كم فرصة عمل نخلق سنويًا؟ كم مصنعًا جديدًا نفتح؟ كم مشروعًا إنتاجيًا ندعم؟ هل نجحنا في دمج العمالة غير المنظمة ضمن المظلة الرسمية للضمان؟ هل خفضنا كلفة التشغيل على المستثمرين لجذب المزيد من الاستثمارات؟ هل ربطنا مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الفعلية؟ هذه هي الأسئلة والإجراءات التي من شأنها حماية الضمان الاجتماعي بفاعلية، فأساس عمل أي صندوق تقاعد في العالم يقوم على مبدأ بسيط: كلما نما الاقتصاد واتسعت قاعدة العاملين، ازداد الصندوق قوة واستدامة.

مخاطر الاكتفاء بالحلول الشكلية

لا يكمن الخطر في التعديلات القانونية بحد ذاتها، بل في الاكتفاء بها واعتبارها الحل النهائي، فمن الخطير أن نعتقد بأن مجرد تغيير الأرقام يكفي بينما الواقع الاقتصادي لا يشهد أي تحسن، أو أن نحاسب المواطن على سنوات عمل إضافية دون أن نضمن له أساسًا فرصة عمل مستقرة، في هذه الحالة، يتحول الضمان الاجتماعي من شبكة أمان مصممة لحماية الأفراد إلى مجرد أداة لإدارة أزمة مزمنة ومستمرة.

الضمان الاجتماعي: عقد ثقة يتآكل

إن الضمان الاجتماعي ليس مجرد مؤسسة مالية، بل هو في جوهره عقد ثقة راسخ بين الدولة ومواطنيها، يدفع المواطن اليوم اشتراكاته إيمانًا منه بأن مستقبله مضمون، فإذا شعر بأن الأعباء تتزايد بينما الوضع الاقتصادي لا يتحسن، فإن هذه الثقة تبدأ بالتآكل تدريجيًا، وحين تتزعزع الثقة الأساسية، تفقد أي تعديلات قانونية مقترحة قيمتها وجدواها.

خلاصة: الإصلاح يبدأ من بوابة الاقتصاد المنتج

الخلاصة الواضحة التي يدركها أي مواطن هي أن قوة الضمان الاجتماعي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقوة الاقتصاد، فإذا كان الاقتصاد مزدهرًا، فإن الضمان سيكون قويًا، أما إذا كان الاقتصاد ضعيفًا، فلن يتمكن رفع سن التقاعد وحده من إنقاذه، إن الإصلاح الحقيقي والفعّال لا ينبع من تعديل سن التقاعد، بل يبدأ من بوابة المصنع الجديد، والمزرعة المنتجة، والشركة الناشئة المبتكرة، وفرصة العمل الجديدة التي تُخلق، في هذه الأماكن فقط، يُحمى الضمان الاجتماعي بفاعلية، ويحتمي الناس من غوائل المستقبل.