مائدة رمضان بين وهم التحسن وواقع الغلاء

مائدة رمضان بين وهم التحسن وواقع الغلاء

تعز- نجوى حسن وإلهام القاضي

لم تعد مائدة رمضان في مدينة تعز تحمل أجواء الماضي المفعمة بالفرح والكرم، إذ تحولت اليوم إلى مرآة تعكس قسوة الواقع المعيشي، حيث تقلصت الأصناف وتزايدت الأوجاع، مما جعل المشهد الرمضاني يغوص في هموم التدبير اليومي أكثر من أي وقت مضى.

وفي ظل تذبذب أسعار صرف العملات، يظل المواطن في تعز أسيرًا لتقلبات أسعار المواد الغذائية التي لا تستجيب لأي تحسن، لينحصر حلم الإفطار الرمضاني في موائد فارغة إلا من هموم البحث عن قوت يومه، فيما يبقى مشهد الأمل مهددًا بفقدان تدريجي، ويظل المأمول الاعتماد على معالجات واقعية تلامس معاناة المواطنين وتحد من تدهور أوضاعهم المعيشية.

حين يصبح الأرخص خيارًا إجباريًا

تصف غادة سنان، وهي مواطنة من تعز، واقع مائدتها الرمضانية قائلة: “التحديات الاقتصادية تحاصرنا من كل جانب، ولم نعد قادرين على توفير أبسط أساسيات الحياة من مياه، كهرباء، غاز، ناهيك عن الغذاء، ونحن أسرة مكونة من سبعة أفراد”.

غادة سنان، مواطنة في تعز، واقع مائدتها الرمضانية قائلة: “التحديات الاقتصادية حاصرتنا من كل جانب، ولم نعد قادرين على توفير أبسط الأساسيات من مياه، كهرباء، غاز، ناهيك عن الغذاء، ونحن أسرة مكونة من سبعة أفراد”.

وتضيف بحزن أن مبلغ مائة ريال سعودي، الذي كان يكفي لشراء الكثير، أصبح اليوم لا يغطي سوى “أشياء بسيطة لا تسمن ولا تغني من جوع”.. هذا التدهور في القدرة الشرائية جعل الأسر تتعامل مع متطلبات رمضان بطريقة مختلفة كليًا، حيث أضحت الخيارات محدودة، والأولويات تتغير بشكل مستمر، في ظل غلاء الأسعار الذي يلاحق كل المواد الاستهلاكية الأساسية.

وتتابع غادة: “صرنا نشتري في رمضان كما نشتري في الأيام العادية، بل نضطر للبحث عن المواد الأرخص جودةً لأنها الأقل سعرًا، ولا توجد خطة بديلة غير التكيف مع الواقع ومواجهة الغلاء يومًا بعد يوم”.

وفي ظل استمرار تداول أخبار انخفاض أسعار الصرف أمام العملة المحلية، إلا أن أسعار السلع لم تنخفض بشكل يتناسب مع تراجع سعر الصرف، بحسب غادة، التي تواصل قائلة: “نواجه أيضًا صعوبة في استبدال الريال السعودي بالعملة المحلية لدى الصرافين، مما يزيد أزمة القدرة الشرائية”.

من جانبها، تقول سامية عبد الله حزام لـ”أقرأ نيوز 24″: “إنهم يضطرون لشراء المواد الغذائية القريبة من انتهاء الصلاحية لأنها أرخص أو عليها عروض، ما يزيد من القلق والإحباط، خاصة مع اقتراب رمضان والعيد”.

وأوضحت أن احتياجات الأطفال الأساسية لم تعد متوفرة، مطالبةً الجهات المختصة بالعمل على خفض الأسعار قبل أي تغير في سعر الصرف، حتى يتمكن المواطنون من شراء احتياجاتهم اليومية بصورة مناسبة.

وتتساءل سامية بدهشة تتسرب منها المفارقة: “كيف يبقى سعر كيلو السمك بثمانية آلاف ريال رغم تحسن سعر الصرف من 750 إلى 410 ريالات مقابل الريال السعودي؟”.. سؤال يعكس الفجوة الكبيرة بين أرقام الصرافين وفواتير التجار والباعة، ويبرز التناقض بين الأرقام الرسمية والواقع المعيش.

عوامل تؤثر على ارتفاع الأسعار غير سعر الصرف

يُسلط المستشار الاقتصادي بمكتب رئاسة الجمهورية، فارس النجار، الضوء على تعقيدات المشهد، مؤكدًا أن ارتفاع الأسعار في تعز لا يعود وحده لسعر الصرف، وإنما يتداخل معه مجموعة من التكاليف الأخرى، وأهمها: ضعف الرقابة، غياب المتابعة الفعالة، وغياب الرقابة الصارمة على الأسواق، مما يفتح المجال لانتشار الأسواق السوداء والتلاعب بالأسعار.

ويضيف: “ارتفاع تكاليف النقل، خصوصًا بسبب الطرق الطويلة ونقاط الجباية غير الرسمية، يضيف عبئًا كبيرًا على تكلفة كل شحنة ويؤثر في النهاية على سعر المنتج النهائي”.

حصار تعز وأثره على أرتفاع الأسعار

يشرح مراد العبسي، محاسب وتاجر سابق، أن الكثير من التجار يسعرون مخزونهم بناءً على أعلى سعر صرف سابق، ويؤخرون خفض الأسعار حتى تصريف هذا المخزون، ويضعون هامش أمان لتغطية تقلبات العملة، معتبرًا أن ذلك يعكس محاولة تجنب الخسائر في سوق يعاني من ظروف استثنائية.

ويذكر أن العبسي، الذي قرر إغلاق تجارته والعودة لمهنة المحاسبة نتيجة عدم استقرار سعر الصرف، يراقب السوق بشكل مباشر من خلال منصبه الإداري الجديد، مما يمنحه فرصة مراقبة الأسعار بشكل أكثر حيادية ودقة.

لا تزال قيود الحصار المفروض على تعز منذ عام 2015، تؤثر على القدرة الشرائية للسكان، مع وجود منافسة قوية في السوق، إلا أن ظروف الحصار وصعوبة دخول البضائع تُعطي تحكمًا أكبر للموردين الكبار، وتضعف دور التجار الصغار في تنظيم السوق وضبط الأسعار.

يوضح العبسي أن دورة رأس المال، حيث يشتري التاجر غالبًا بالعملة الصعبة أو بالآجل، تزيد من مخاطر خسارة رأس المال عند تحسن سعر الصرف، خاصة وأن تكاليف النقل والجبايات تظل ثابتة حتى مع انخفاض سعر الصرف، مما يضطر التاجر لوضع هامش أمان إضافي في تسعيرته، يبطئ استجابتها لانخفاض الأسعار مقارنةً بارتفاعها.

رمضان في تعز.. بين التحديات والفرص

يؤكد مراد العبسي أن موسم رمضان يُعتبر موسم ضغط تشغيلي كبير، فبالرغم من زيادة المبيعات، إلا أن تكاليف التوريد والخدمات اللوجستية تزداد، والطلب العالي على المواد يجعل من استقرار الأسعار مهمة معقدة، وليست مجرد فرصة لتحقيق أرباح فحسب.

المحاسب مراد العبسي: رمضان هو موسم ضغط تشغيلي بامتياز؛ فرغم زيادة المبيعات، إلا أن تكاليف التوريد والخدمات اللوجستية تزداد، والطلب العالي يضغط على المعروض؛ مما يجعل الحفاظ على استقرار الأسعار تحديًا كبيرًا وليس مجرد فرصة للربح”.

وأضاف أن ضمان انخفاض الأسعار وتحسنها يتطلب وجود رقابة صارمة من مكتب الصناعة والتجارة، وتفعيل القوائم السعرية المحدثة، مع وعي وتعاون المستهلكين للبحث عن البدائل الأقل سعرًا ولعب دور فعال في الحد من التلاعب والتلاعبات السوقية.

خطط رقابية لضبط الأسعار في رمضان

يُحدث عبدالرحمن القليعة، مدير عام مكتب الصناعة والتجارة بتعز، عن خطة رقابية “صارمة” تُعد لضبط الأسعار وحماية المستهلك، والتي تتضمن إجراءات لمتابعة الأسواق، والحد من الغش، وإتلاف السلع غير الصالحة، وضبط المواد المخزنة بشكل غير صحيح.

المدير العام لمكتب الصناعة والتجارة بتعز، عبدالرحمن القليعة: تم إعداد خطة رقابية صارمة لضبط الأسعار وحماية المستهلك من الغش والمواد الاستهلاكية غير الصالحة، وإتلاف السلع المنتهية والتي تعرضت لسوء التخزين.”

وفي ظل تدهور العملة المحلية، الذي شهدته مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، بما في ذلك تعز، خاصة بعد أن تجاوز سعر الدولار 2800 ريال في يوليو، ثم تعافيه نسبياً إلى حوالي 1632 ريال في أغسطس، أُطلقت حملات تفتيش على الأسواق لضبط الأسعار وفقا لسعر الصرف الجديد، ويؤكد القليعة أن الجهات المختصة تبذل جهودًا حثيثة لضمان استقرار السوق وتخفيض الأسعار عبر الرقابة المستمرة وتفعيل دور التاجر والمستهلك.

ويضيف أن المجتمع والتجار معًا مطالبون بتحقيق توازن بين التحديات والمعالجات، وأن السوق في تعز، رغم الظروف المحيطة، يُظهر مؤشر استقرار وتحسن بشكل ملحوظ، حيث أن الأسعار متوازنة مقارنةً بمحافظات أخرى، بالرغم من تداعيات الحرب الصعبة واللوجستية.

وفي سبيل تعزيز الرقابة والشفافية، أنشأ مكتب الصناعة والتجارة غرفة عمليات، وأطلق تعاميم تواصل مع المواطنين عبر أرقام وخدمات إلكترونية، تمكنهم من الإبلاغ عن المخالفات بسهولة، مما يعزز من الشعور بالمسؤولية المجتمعية ودور المواطن في حماية السوق.

ومع أن هناك تحديات كبيرة، منها ضعف الميزانية التشغيلية، وعدم القدرة على التوظيف، ووعورة الطرق، فإن الجهود مستمرة لتحصين السوق، وتعزيز المخزون السلعي، وتحقيق الاستقرار السعري، عبر حملات توعية ومراقبة مستمرة، بتنسيق مع الغرف التجارية والمنظمات المدنية.

المبادرة المجتمعية لمراقبة الأسعار

وفي إطار التعاون المجتمعي، تبرز مبادرة “الرصد الاقتصادي”، التي تقودها فعليًا شيخة الشيباني، لرصد ومراقبة الأسواق، داعية لإطلاق منصات إلكترونية وتطبيقات تتيح للمواطنين الإبلاغ الفوري عن المخالفات السعرية، لرفع مستوى الشفافية وزيادة الضغط الشعبي على الأسواق المخالِفة.

وتنادي الشيباني بأهمية وعي المواطن، ودوره في حماية السوق عبر المشاركة الفعالة، مؤكدة أن “تغيير الواقع يبدأ من الوعي، وأن كل مشاركة في الرقابة والإبلاغ عن المخالفات تساهم في تحسين السوق وتحقيق استقراره بشكل مستدام”.

يؤكد القليعة أن مكتب الصناعة والتجارة في تعز، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، قام بتنفيذ ورش عمل وحملات توعية، لتعزيز وعي المستهلك، وتشجيع المشاركة المجتمعية في عملية الرقابة، بهدف تحسين جودة الأسواق، وتقليل التلاعب، وضمان حقوق الجميع في الحصول على سلع مناسبة وأسعار عادلة.

وفي ختام المشهد، يبقى المواطن في تعز الحلقة الأضعف، ينتظر أن تتجسد تحسنات العملة المحلية في واقع معيشة أفضل، وأن تعود مائدة رمضان كما كانت، مليئة بالأصناف والكرم، قبل أن تتحول إلى ذكرى من زمن مضى، يُترجم فيها الأمل إلى واقع ملموس، والتحدي إلى انتصار على الظروف.