«مركز المنطقة الجديد للطاقة» الجزائر تعزز مكانتها كقطب رئيسي لإنتاج الوقود

«مركز المنطقة الجديد للطاقة» الجزائر تعزز مكانتها كقطب رئيسي لإنتاج الوقود

تخطو الجزائر خطوات عملاقة نحو ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية في قطاع الطاقة، حيث أصبحت مصفاة حاسي مسعود الجديدة حجر الزاوية في استراتيجيتها الطموحة للتصدير، معتمدة على إنتاج وقود جزائري بمعايير “يورو 5” العالمية، مما يضمن منتجات أنظف وقيمة مضافة أعلى. وتتجه البلاد بخطى واثقة نحو الاستغناء الكامل عن استيراد الديزل، مع تبني استخدام الغاز المسال كبديل محفز وبيئي.

لقد نجحت الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، في تحقيق الاكتفاء الذاتي من إنتاج الوقود ومشتقاته، بفضل استراتيجية واضحة المعالم ارتكزت على تطوير وإنجاز مصافي التكرير، إلى جانب دعم الصناعات البتروكيماوية لخلق قيمة مضافة أكبر للمواد الخام، الأمر الذي أتاح تلبية الطلب المحلي والتطلع نحو التصدير. هذه الاستراتيجية، التي تتطلب استثمارات مالية ضخمة، مكنت من تحقيق هدفين رئيسيين، وهما تلبية احتياجات السوق الوطنية، والحفاظ على معدل سعر الوقود، مع تكفل الدولة بجزء معتبر من فارق تكلفة الإنتاج مقارنة بسعر التوزيع.

تحقيق الاكتفاء الذاتي وبوادر التصدير

في تصريح لـ “الشعب”، أوضح الخبير الاقتصادي بوشيخي بوخوص أن الجزائر حققت اكتفاءها الذاتي من البنزين ومشتقات الوقود الأخرى منذ عامي 2022-2023، بعدما كانت مستوردة لها لوقت قريب، مرجعًا هذا الإنجاز إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها رفع قدرات مصافي التكرير والاستثمار في تحديثها. هذا التوجه أدى إلى تقليل فاتورة الاستيراد، وتلبية الطلب المحلي، وتصدير كميات محدودة، مع اتجاه واضح نحو الاستغناء التام عن استيراد الديزل واستخدام الغاز المسال كبديل محفز، وتسطير أهداف مستقبلية لزيادة الإنتاج، وتثبيت مكانة الجزائر كمصدر إقليمي للوقود. وأضاف بوخوص أن الجزائر، وبعد عقود من الاستيراد، تشرع الآن في تصدير البنزين المكرر بعد أن تجاوز إنتاجها السنوي من البنزين 4 ملايين طن، مقابل استهلاك سنوي يناهز 3.5 ملايين طن، مما يوفر فائضًا سيتم تصديره مبدئيًا إلى السوق الموريتانية عبر الشركة الجزائرية لتوزيع المنتجات النفطية “نفطال”، من خلال إطلاق خدمات محطات بنزين على الأراضي الموريتانية، على طول الطريق الرابط بين تندوف الجزائرية والزويرات الموريتانية بمسافة 700 كلم، وهو ما يعد دعمًا للاقتصاد الوطني، وتوسعًا للنفوذ الاقتصادي الجزائري على المستوى القاري.

البيان الكمية السنوية (مليون طن)
إنتاج البنزين أكثر من 4
استهلاك البنزين حوالي 3.5
الفائض للتصدير حوالي 0.5

نهاية عصر الاستيراد

بخصوص الاستراتيجية التي اتبعتها الجزائر لتحقيق اكتفائها المحلي من مادة البنزين، أفاد بوخوص أن البلاد شرعت منذ عام 2021 في خطة عملية لرفع نسبة التكرير وتحويل الإنتاج الأولي من المحروقات إلى وقود، مع إطلاق مشاريع إنجاز مصافٍ جديدة بتكلفة قُدرت بـ 3 مليارات دولار. من أبرز هذه المشاريع، مصفاة حاسي مسعود بالجنوب الجزائري التي تكرر 5 ملايين طن سنويًا، بالإضافة إلى محطتي بسكرة وتيارت بقدرات إنتاجية مماثلة، لتتمكن الجزائر بذلك من تثمين موردها الطاقوي كليًا والتوقف عن استيراد البنزين، مع السعي لإنهاء استيراد الديزل، مما يوفر ملايين الدولارات للخزينة العمومية. في ذات السياق، ثمن الخبير تشجيع الدولة لاستخدام الغاز المسال (GPL) كوقود بديل للسيارات بسبب سعره المنخفض، الأمر الذي يقلل من استهلاك البنزين والديزل ويحد من الانبعاثات الضارة.

شبكة إنتاجية موسعة بمعايير عالمية

وفقًا لمخطط التكرير لعام 2027، يتوقع بوخوص أن تتوجه الجزائر نحو تحسين المنتجات النفطية، وعلى رأسها إنتاج وقود مطابق للمعايير العالمية “يورو 5”. وفيما يتعلق بتحسين معدلات الإنتاج، أشاد بوخوص بالجهود التي يبذلها الرائد الطاقوي الجزائري “سوناطراك” من خلال شبكة إنتاجية مكونة من 6 مصافٍ، تختص بصنع مشتقات المحروقات، كما تسعى “سوناطراك” إلى التوظيف الجيد للهياكل القاعدية ومعدلات الإنتاج، وتضمن السير الحسن والمتابعة الدقيقة لتحسين معامل التكرير ومصانع التحويل إلى سوائل.

وقد بلغت الطاقة الإجمالية لمصافي النفط في الجزائر – وفق الأرقام التي قدمها الخبير – نحو 677 ألف برميل يوميًا نهاية عام 2024، موزعة على 6 مصافٍ رئيسة في سكيكدة، أرزيو، الجزائر العاصمة، حاسي مسعود، وأدرار، والتي بنيت معظمها بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي. ومن شأن التوسعات المقررة في حاسي مسعود وبسكرة أن ترفع الطاقة الإجمالية للتكرير بنحو الثلث عند اكتمالها، لتتجاوز 800 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2027. وذكر بوخوص أن “سوناطراك” تتولى تشغيل مصافي النفط، وهي تخطط لزيادة قدرتها الإنتاجية خلال السنوات المقبلة لتتحول من دولة مكتفية ذاتيًا إلى مصدر رئيسي للمنتجات المكررة. وفيما يلي تفاصيل الطاقة الإنتاجية للمصافي الرئيسية:

المصفاة الطاقة اليومية (برميل)
سكيكدة 355,000
سكيكدة للمكثفات 122,000
أرزيو 87,000
الجزائر العاصمة 78,000
حاسي مسعود (القائمة) 22,000
أدرار 13,000
الإجمالي 677,000

تُعد مصفاة سكيكدة، بطاقة تصل إلى 355 ألف برميل يوميًا، من بين أكبر 10 مصافٍ في العالم العربي، حيث تعمل المصفاة بطاقة تشغيل مرتفعة خاصة بعد أعمال التحديث التي شملت وحدات التكسير والإصلاح التحفيزي، لتنتج البنزين والديزل ووقود الطائرات ومنتجات البتروكيماويات. وفي المرتبة الثانية، تبرز مصفاة سكيكدة للمكثفات بسعة تصل إلى 122 ألف برميل يوميًا، تليها مصفاة أرزيو بقدرة 87 ألف برميل يوميًا، والتي تلبي جزءًا كبيرًا من احتياجات المنطقة الغربية. أما مصفاة الجزائر العاصمة، فتبلغ طاقتها 78 ألف برميل يوميًا، وتُعد من أقدم مصافي النفط في الجزائر، في حين تواصل مصفاة أدرار تغذية مناطق الجنوب بطاقة 13 ألف برميل يوميًا.

ريادة وإنتاجية عابرة للحدود

لا يقتصر تعزيز جهود الجزائر في تكرير النفط على حدودها الداخلية فحسب، بل يتعداها نحو الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، عبر مصفاة “أوغيستا” في إيطاليا التي استحوذت عليها سوناطراك عام 2018. ووفقًا للمتحدث، فقد أنتجت المصفاة حوالي 8 ملايين طن من المنتجات النفطية المكررة في عامي 2020 و2021، علمًا أن طاقتها التكريرية تصل إلى 10 ملايين طن. تُعد “أوغيستا” متخصصة في إنتاج المنتجات الأساسية لزيوت التشحيم والبيتومين والبارافين، وهي مزود رئيسي لشركات نفطية عملاقة في أوروبا مثل “إكسون موبيل” و”توتال” و”بي بي” و”إيني”، بالإضافة إلى السوق الجزائري. وكانت المصفاة، حسب ما أدلى به المتحدث، قد أعلنت عن تحقيق أرباح في الأشهر العشرة الأولى من عام 2020 تفوق 400 مليون يورو، وهي حصيلة تجعل المصفاة من أكثر فروع شركة سوناطراك ربحية.

مشاريع واعدة نحو الريادة العالمية

عرج بوخوص على مصفاة حاسي مسعود الجديدة، ذات قدرات التكرير العالية بقدرة 5 ملايين طن سنويًا، أي ما يعادل 35.5 مليون برميل سنويًا أو 97 ألف برميل يوميًا، وذلك ضمن خطة استثمارية بقيمة 7 مليارات دولار. من المتوقع أن تدخل المصفاة حيز التشغيل أواخر عام 2027، وتُعد أحد أبرز المشروعات الاستراتيجية التي تستهدف رفع القدرات التكريرية للبلاد، إذ تضم وحدات معالجة وتخزين وتصريف متكاملة. ووفق بيانات المشروع التي استدل الخبير بمعطياتها من منصة الطاقة، ستنتج المصفاة 7 مشتقات نفطية بمعايير “يورو 5″، تشمل ما يلي:

المنتج الكمية السنوية المتوقعة (برميل)
البروبان 901,700
البوتان 1,270,000
البنزين 95 و 91 (إجمالي) يتجاوز 12,000,000
الكيروزين 1,610,000
الديزل 18,800,000

ومع دخولها الخدمة، ستصبح مصفاة حاسي مسعود الجديدة ثالث أكبر مصافي النفط في الجزائر، وستبلغ الطاقة الإنتاجية للمصفاة مليون طن من المازوت سنويًا في مرحلتها الأولى، لترتفع تدريجيًا إلى 2.8 مليون طن. وتشمل المشروعات التكريرية الأخرى مشروع تكسير النافثا في ميناء أرزيو الشمالي، بطاقة إنتاجية تبلغ 1.2 مليون طن من البنزين، والمتوقع انطلاقه في مارس 2027، بالإضافة إلى مصنع تكسير الوقود في مدينة سكيكدة شمال شرق البلاد، والذي سينتج 1.75 مليون طن من الديزل و250 ألف طن من الإسفلت عند اكتماله في عام 2029.

شراكات دولية نحو مركز إقليمي رائد

وخلص بوخوص إلى القول إن المقاربة الجزائرية تسعى إلى ربط مجمعات التكرير بمشروعات الغاز المسال والبتروكيماويات لتحقيق تكامل صناعي أوسع، حيث تتطلع الجزائر إلى تعزيز الشراكات مع شركات آسيوية وأوروبية، لتحديث مصافي النفط في الجزائر وإدخال تقنيات خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة الطاقة. ويتوقع أن تسهم هذه الخطط في تحويل الجزائر إلى مركز إقليمي لتكرير النفط، وتجارة المشتقات بحلول عام 2027، مدعومة ببنية تحتية متطورة في موانئ أرزيو وسكيكدة، وقربها من الأسواق الأوروبية، وكذلك القدرة على نقل مشتقات البترول إلى موريتانيا ثم وسط إفريقيا.