
في فبراير، حيث يتجدد الفخر بـ «يوم التأسيس»، وتستعد القلوب لاستقبال شهر رمضان المبارك، تبرز الدراما السعودية بوصفها أداة محورية في صياغة الذاكرة الوطنية. ومن بين الأعمال التي تخطت كونها مجرد مسلسل لتصبح «وثيقة بصرية» أصيلة عن المجتمع السعودي، يأتي مسلسل «شارع الأعشى»، الذي يعود بموسمه الثاني في رمضان 2026، ليؤكد أنه ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل محطة فارقة في تاريخ الإنتاج الدرامي المحلي.
«شارع الأعشى».. حين يصبح المكان بطلاً
اختار مسلسل «شارع الأعشى» أن يعود بنا إلى سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً إلى حي منفوحة العريق في الرياض، ليروي قصة وطنٍ كاملة من خلال تفاصيل حارة شعبية، هذا العمل، المستوحى من رواية «غراميَّاتِ شارع الأعشى» للكاتبة الدكتورة بدرية البشر، لم يكتفِ بتوثيق المكان فحسب، بل غاص بعمق في التحولات الاجتماعية والفكرية التي أسهمت في تشكيل ملامح الشخصية السعودية الحديثة.
ويتقاطع المسلسل، في عدد فبراير الذي يحتفي بـ «يوم التأسيس»، مع روح هذه المناسبة الوطنية، فكما نحتفي بجذور الدولة وبداياتها الأولى، يحتفي «شارع الأعشى» بجذور المجتمع والإنسان البسيط الذي عايش التحوُّل، وتكيف معه، وجنى ثماره.
نقلة نوعية.. من الدراما إلى «القوة الناعمة»
لم يكن نجاح الموسم الأول مصادفة، فقد حصد المسلسل إشادات نقدية واسعة، وحقق حضوراً لافتاً في المحافل الفنية، كان آخرها حصوله على جائزتي المسلسل الخليجي المفضل، ومخرج المسلسلات المفضل في حفل Joy Awards، ليؤكد بذلك أن الدراما السعودية قد دخلت مرحلة جديدة من النضج الفني والإنتاجي.
ويُعد العمل من بين أعلى الإنتاجات السعودية من حيث الميزانية الضخمة، وبناء الاستوديوهات المفتوحة، حيث قدم نموذجاً فريداً للدراما التاريخية بعيداً عن الخطابة المباشرة أو التجميل المبالغ فيه، وقريباً جداً من الإنسان وتفاصيله اليومية العادية، هنا، تتحول الدراما إلى «قوة ناعمة» فعالة، تصدر الهوية السعودية للعالم بلغة إنسانية عالمية وشفافة.
وتدور أحداث المسلسل في منتصف السبعينيات داخل حارة شعبية تُعرف باسم «الأعشى»، حيث تعكس التطورات والتغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع السعودي من خلال قصة الشقيقتين «عزيزة وعواطف»، اللتين تعيشان حياة مليئة بالحب والطموح والتحدي في ظل مجتمع محافظ، تحكمه التقاليد والأعراف، لتنشأ بينهما وبين ابنتي جارتهما «وضحة» صداقة متينة، يسعين من خلالها إلى تحقيق أحلامهن وطموحاتهن.
الأدب.. وضمان الاستدامة
يرى النقاد أن اعتماد العمل على نص أدبي متين وأصيل في آن واحد، كان من أهم أسرار نجاحه، فرواية بدرية البشر منحت المسلسل عمقاً استثنائياً في بناء الشخصيات، وتماسكاً قوياً في تطور الصراع الدرامي، مما جعل الحبكة أكثر إقناعاً وجاذبية.
وفي الموسم الثاني، تتواصل الرحلة مع مرحلة أكثر حساسية، حيث تبرز ملامح «الصحوة» والتحولات الفكرية التي شهدها المجتمع، ما يجعل العمل مادة توثيقية مهمة جداً للأجيال الجديدة، تتماشى مع الأهداف النبيلة لـ «يوم التأسيس» في تعزيز الوعي بالهوية الوطنية وجذورها الراسخة.
بطولة جماعية.. وكيمياء نجوم
رسخ «شارع الأعشى» مفهوم البطولة الجماعية بامتياز، حيث تألق نجومه دون أن يطغى أحدهم على الآخر، واستمرار حضور الفنانين إلهام علي، وخالد صقر، وعائشة كاي، ولمى عبدالوهاب، إلى جانب انضمام أسماء جديدة ومؤثرة مثل مهند الحمدي، وناصر الدوسري، يمنح الموسم الثاني ثقلاً درامياً إضافياً وقيمة فنية عالية.
وتشير كواليس العمل، الذي يُشرف على إخراجه المخرج التركي أحمد كاتيكسيز، إلى اعتماد ورش تمثيل مكثفة لضبط الأداء بما يتناسب مع روح المرحلة الزمنية بدقة متناهية، وهو ما انعكس في واقعية لافتة، لاقت استحسان الجمهور والنقاد على حد سواء، مما أضفى على العمل مصداقية عالية.
ومن أبرز العناصر التي جعلت الجمهور يشعر بأن العمل جاء على مستوى عالٍ من الدقة والعناية الكبيرة بالتفاصيل والتحضير المسبق، ما كشفت عنه الممثلة عائشة كاي، إحدى نجمات المسلسل، في تصريح خاص لـ «أقرأ نيوز 24»، إذ أوضحت أن فريق العمل استعان بمستشار ثقافي، ومستشار للديكور الداخلي، إضافة إلى مستشار للأزياء، الأمر الذي أضفى على العمل طابعاً أصيلاً وواقعياً جذاباً.
ولم تتوقف الدقة عند الصورة فقط، بل شملت أيضاً اللهجات، حيث خضعت للمراجعة بعناية فائقة عبر مدقق للهجة النجدية، وآخر للهجة البدوية، إلى جانب مدقق للهجة اليمنية أو الحضرمية، ما أسهم في تحقيق أعلى درجات المصداقية والواقعية على الشاشة، مما جعل الحوار يبدو طبيعياً تماماً.
هوية بصرية تحاكي الذاكرة
لم يغفل العمل أهمية الصورة وتأثيرها البصري، فتم التعاون مع خبراء ديكور وأزياء متخصصين، وباحثين في التاريخ الاجتماعي لضمان دقة التفاصيل المتناهية، بدءاً من نوعية الأقمشة المستخدمة إلى ملامح البيوت والدكاكين القديمة، وحتى الإكسسوارات الصغيرة التي كانت رائجة في تلك الحقبة، كل لقطة، بدت وكأنها تحية بصرية للعاصمة الرياض في تلك الفترة الزمنية، لتجعل المشاهدة تجربة وجدانية كاملة، خاصة في شهر يحتفي بالجذور والبدايات العميقة.
الموسم الثاني.. من الحلم إلى المواجهة
إذا كان الموسم الأول قد دار حول الأحلام والبدايات المتفائلة، فإن الموسم الثاني، الذي سيُعرض في رمضان 2026، ينتقل إلى مرحلة المواجهة ودفع الثمن، في هذا الجزء، تتشابك الخطوط الدرامية بشكل أعمق وأكثر تعقيداً، لكنْ مع تركيز خاص على دور المرأة السعودية في مجالات التعليم والصحافة، إلى جانب طرح أسئلة محورية حول الحرية والاختيار في مجتمع يمر بمرحلة تحول مفصلية واستثنائية.
لماذا ننتظره في رمضان؟
رمضان هو شهر العائلة بامتياز، و«شارع الأعشى» هو العمل الذي يجمع الأجيال المختلفة أمام الشاشة، إنه عمل يفتح باب الحكايات بين الآباء والأبناء، ويُعيد للذاكرة تفاصيل الحياة البسيطة والجميلة، ويُقدم للشباب صورة صادقة وواقعية عن ماضيهم القريب، مما يساهم في تعزيز ارتباطهم بهويتهم.
بين عبق السبعينيات الأصيل، وأمجاد «يوم التأسيس» العريقة، وروح رمضان الفضيل، يكتب «شارع الأعشى» فصلاً جديداً ومشرقاً في تاريخ الدراما السعودية، إنه العمل الذي يؤكد أن الدراما المحلية لم تعد تكتفي بالمشاركة الخجولة، بل باتت أيضاً قادرة على صناعة التأثير الإيجابي، وكتابة حكايتها الخاصة بثقة وجدارة عالية.
