مصارف غزة تفرض قيودًا مالية مشددة تخنق حياة السكان

مصارف غزة تفرض قيودًا مالية مشددة تخنق حياة السكان

تُعد دعوة سلطة النقد والبنوك للمواطنين للتعامل عبر التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية في عمليات البيع والشراء متناقضة تمامًا مع الإجراءات التي تتخذها البنوك، وبمعرفة سلطة النقد نفسها، من إغلاق لحسابات المواطنين وتقييد لعمليات التحويل بحدود مالية معينة يتم تجميد الحساب عند تجاوزها، مما فاقم معاناة المتضررين والمواطنين بشكل عام عبر تقييد حرية عمليات البيع والشراء، خصوصًا في ظل اعتماد معظم المحال التجارية بقطاع غزة على الدفع عبر التطبيق البنكي نتيجة لتدهور العملات الورقية وندرة تداولها.

تناقض السياسات المصرفية وآثارها على المواطنين

في قلب هذه الأزمة، يتكشف تناقض صارخ بين ما تدعو إليه المؤسسات المالية وما تمارسه على أرض الواقع، فبينما تُحث المجتمعات على تبني الشمول المالي والدفع الرقمي كتوجه عصري، تضع البنوك وسلطة النقد قيودًا مشددة تصل إلى حد تجميد وإغلاق حسابات المواطنين، ما يؤثر سلبًا على حياتهم اليومية، خصوصًا في قطاع غزة حيث أصبح الدفع الرقمي ضرورة قصوى بدلًا من كونه رفاهية، وذلك بسبب نقص السيولة النقدية وتلف الأوراق المالية، وهو ما يزيد من تفاقم المعاناة الاقتصادية والمعيشية في منطقة تعاني أساسًا من ظروف بالغة الصعوبة.

قصة الصيدلي أيوب خليفة: تعطل التجارة وتدهور الحياة

تفاجأ الصيدلي أيوب علي خليفة، دون سابق إنذار، بإغلاق حسابه في بنك فلسطين، الذي كان قد فتحه قبل الحرب بثلاث سنوات، ما أدى إلى تعطل كامل لمعاملات شراء وبيع الأدوية في الصيدلية التي يملكها والتي تعتمد كليًا على التطبيق البنكي، وعلى الرغم من توجهه المتكرر إلى فروع بنك فلسطين وتقديمه للإيضاحات اللازمة لفرع البنك في مخيم النصيرات وسط القطاع، مؤكدًا أن استخدامه للحساب يقتصر على تسهيل معاملات الصيدلية مع إبراز جميع التراخيص والعقود، إلا أنه لم يتلق استجابة لطلبه منذ عام كامل.

يروي خليفة لـ “أقرأ نيوز 24” عن معاناته في محاولة إعادة تفعيل حسابه قائلًا: “قدمت أكثر من عشرة طلبات لاسترداد الحساب، وتوجهت إلى مكتب البنك في السرايا بغزة، حيث أعطاني أحد الموظفين رقم هاتفه المحمول لمتابعة الأمر، لكنه غير رقمه لاحقًا”، واصفًا تعامل البنك معه بـ “السيء للغاية”، وقد انعكس هذا التجميد سلبًا على حياة خليفة، شأنه شأن العديد من سكان القطاع الذين جمدت حساباتهم البنكية.

ويضيف: “بدأت أضع أموالي في حسابات متعددة، وكان أحد الأقارب قد أودع مبلغًا في حسابي – قبل الإغلاق – وطلبه، وحتى اللحظة لا أستطيع إعطاءه المبلغ بسبب تجميد الحساب البنكي، وبالتالي تراجعت عملية البيع في الصيدلية”، وعن مبرر البنك لإغلاق الحساب بحجة وجود حوالات كثيرة، قال: “كوني تاجر أبيع وأشتري، فهذه الحوالات طبيعية في ظل غياب السيولة النقدية، خاصة وأن لدي ما يثبت امتلاكي لصيدلية”.

يومياً، يضطر خليفة، بعد شراء أحد الزبائن للدواء، للاتصال على شقيقه أو أحد أقاربه للتأكد من وصول الحوالة البنكية، ويتكرر هذا الأمر مرات عديدة خلال اليوم، وأحيانًا يتأخر الرد على الاتصال، مما يؤدي إلى طول انتظار الزبون داخل السيارة، ما يدفعه في النهاية إلى عدم العودة مرة أخرى لشراء الدواء من صيدليته.

معاناة الطالب حمزة: آمال مُحطمة وتجميد أموال العائلة

أنشأ الطالب حمزة حسابًا في بنك فلسطين بهدف الاستفادة منه في ظل انعدام السيولة النقدية والاعتماد الكلي على التطبيق البنكي في شراء السلع والمواد الغذائية، ولكن بعد شهرين فقط من فتح الحساب، وفي ذروة أزمة التجويع التي عصفت بالقطاع، وبعد وصول حوالة مالية بسيطة من والده، جرى إغلاق الحساب بشكل كامل وتجميد المبلغ المالي، على الرغم من حاجة العائلة الماسة إليه، خاصة وأنهم كانوا يخططون للنزوح إلى دير البلح بسبب عودة واستئناف الحرب من جديد، كما يروي حمزة لـ “أقرأ نيوز 24” الذي طلب عدم الكشف عن اسمه كاملًا.

يحكي حمزة: “انعكس التجميد بشكل كبير على حياتي، خاصة وأنني كنت أخطط لاستخدام الحساب للتسجيل في المؤسسات الداعمة لطلبة الجامعات وتوفير المنح الدراسية، وجاء إغلاقه في وقت كنت أستعد فيه للتقدم لامتحانات الثانوية العامة، كان لإغلاق الحساب دور سلبي على حياتي النفسية، خاصة أن هدفي منه، كما ذكرت، كان الحصول على أي دعم مالي قد توفره بعض المؤسسات الداعمة للطلبة المتفوقين”.

وبعد التواصل مع إدارة البنك عشرات المرات عبر الهاتف لإعادة تفعيل الحساب والاستفسار عن سبب إغلاقه، كان الرد في كل مرة يقتصر على طلب البيانات والانتظار لأيام، استمر الأمر عدة أشهر دون أي جدوى، وأخبروه أن الأمر مرهون بإعادة فتح فروع البنك في غزة، على الرغم من حاجته الماسة للمبلغ المالي داخل الحساب نظرًا لسوء الأوضاع في غزة وحاجتهم لشراء احتياجاتهم، وبعد الإعلان عن إعادة فتح مكاتب البنك لاستقبال الشكاوى أو فتح حسابات بنكية، توجه حمزة إلى فرع البنك بمدينة غزة لتقديم طلب إعادة تفعيل وفتح الحساب من جديد، لكن المفاجأة كانت أنه جرى إغلاق الحساب بشكل نهائي، وأن بإمكانه سحب المبلغ المالي على حساب آخر دون ذكر السبب أو المبرر.

تجميد جماعي لحسابات المحامين وتدخل النقابة

قبل أشهر، جمد البنك نحو 700 حساب لمحامين ومواطنين في قطاع غزة، من أصل 2000 محامٍ، وذلك دون سابق إنذار، وسط اعتصامات احتجاجية وتدخل من نقابة المحامين، إلا أن البنك أرجع الأسباب إلى “تحديث بيانات” أو “عدم الاستخدام”، فيما دعت نقابة المحامين المتضررين إلى توثيق الأسماء لرفع دعوى قضائية أمام المحاكم المختصة في رام الله.

شهادات المحامين: أحمد النونو وحسام الوادية

بعد حوالة بنكية قيمتها لا تتعدى 2000 دولار، جمد بنك فلسطين حساب المحامي أحمد محمد النونو، الذي بات لا يستطيع استخدام أمواله المجمدة لإدارة شؤون حياته، ويضطر للاقتراض من الأصدقاء، ويقول لـ “أقرأ نيوز 24”: “أرسلت شكوى للبنك، لأنه لا مبرر للإغلاق، فالمبلغ الذي من أجله جُمد الحساب قليل، البنك يضغط علينا ويصعب الحياة التي هي بالأساس صعبة”.

وفي ذروة مجاعة تعرض لها قطاع غزة، تعرض حساب المحامي حسام الوادية للتجميد لمدة شهر، قبل أن يعاد فتحه بطلب من نقابة المحامين بشرط أن يرسل التحويلات ولا يستقبلها لمدة شهر، ثم أعيد تجميده منذ شهر يونيو/ حزيران، ويحكي الوادية لـ “أقرأ نيوز 24”: “أغلقوا حسابي بشكل كامل وبات الحساب “غير فعال”.”

وأضاف الوادية: “تذرع البنك خلال الحرب بوجود عملية تحديث بيانات، وأن القضية ستحل عندما تفتح فروع البنك بعد الحرب، وعندما أبرم اتفاق وقف إطلاق النار، ذهبت لفرع البنك وأخبرني الموظف أنه ليس لديه صلاحية بفتح صفحتي، وهذا الشيء أخبرنا به مدير الفرع، فلا يعرف سبب المشكلة”، معتبرًا ذلك “حكمًا بالموت عليهم”.

وتابع: “البنك وجهنا لسلطة النقد، وبدورها أعادتنا إلى البنك، ولم تتضح لنا المشكلة وسبب الإغلاق، حتى تدخلت النقابة ورفعنا دعوى قضائية برام الله منذ شهر بعد التوقيع على توكيل النقابة برفع القضية”، لافتًا إلى أن تداول المحامين خلال الحرب عبر التطبيق كان محدودًا، وانحصر عملهم في إبرام عقود بسيطة.

وترافق مع إغلاق الحساب البنكي للوادية أيضًا توقف محفظته الإلكترونية، ما أدى إلى مواجهة صعوبات حياتية كبيرة، “لولا وجود محفظة إلكترونية لزوجتي، لكانت المعاناة أكبر، كالتي عاشها زملائي المحامون” يقول بمرارة.

رؤية الخبير الاقتصادي: ضغوط خارجية وضرورة الشفافية

يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن قضية إغلاق الحسابات والتقييد التي تحدث أكبر من بنك فلسطين ذاته، ولها علاقة بضغوط خارجية تمارس تجاه البنك بحجة محاربة “الإرهاب”، والتي لا يجد البنك أمامها خيارًا سوى الاستجابة لتلك الضغوط، محاولًا تفادي الوقوع في مشاكل مع الجهات الضاغطة، لافتًا إلى أن ذلك غير مبرر ويجب أن يتأكد من الممارسات “غير المشروعة” للحسابات ولماذا يتم التقييد، ويتحدث بشفافية عن معايير إغلاق الحسابات حتى يتجنب المواطن أن يكون فريسة لإغلاق الحساب.

ورغم وجود ما وصفه أبو قمر بـ “الكثير من الإشكاليات” في تعامل البنك تجاه غزة، إلا أنه وخلال فترة من الفترات ساهم بشكل أو بآخر في مساعدة الناس بإتاحة التحويلات عبر التطبيق البنكي، وهي جزئية “تحسب للبنك”، في المقابل، يطالب البنك حاليًا بالتوسع في فتح فروعه وعدم الاقتصار على فتح ثلاثة مكاتب له في قطاع غزة.

وأكد أبو قمر في حديثه لـ “أقرأ نيوز 24” أنه طالما تتم المعاملات بطريقة مشروعة، فلا يوجد مانع من زيادة الحد المسموح، وقال: “نتحدث عن حسابات تتوقف نتيجة حوالات تصل إلى 2000 دولار شهريًا، وهذه مبالغ بسيطة مقارنة بارتفاع الأسعار ولا تساوي قيمتها الحقيقية، ما يجعل المواطن يستنفد هذا المبلغ خلال أسبوع واحد”.

غياب التعليق المصرفي

رفضت إدارة بنك فلسطين التعليق لـ “أقرأ نيوز 24” على أسباب تجميد الحسابات، وتفتح “أقرأ نيوز 24” الباب أمام البنك وغيره من المؤسسات المصرفية للرد.

فشل الشمول المالي وتحديات الدفع الرقمي في غزة

بالرغم من سعي سلطة النقد والبنوك لتطبيق خطة “الشمول المالي” بحيث يستخدم كل فرد في المجتمع التعامل عبر الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية، فإن هذه الخطة لم تنجح، إلا أن تطبيقها القسري خلال الحرب، نتيجة لاهتراء العملات الورقية دون وجود بنية تكنولوجية قوية وفي ظل انقطاع وضعف الإنترنت والكهرباء، سبب الكثير من المشاكل وأدى إلى فشل العديد من عمليات البيع والشراء، وخلق معاناة إضافية لأهل غزة، إضافة إلى جهل الكثير من المواطنين في التعامل مع هذه التقنيات، مما عرضهم لعمليات نصب واحتيال.

الأساس القانوني: متى يجوز إغلاق الحسابات البنكية؟

وفقًا للقانون، لا يحق للبنوك إغلاق أي حساب بنكي إلا بقرار قضائي أو بتعميم رسمي من سلطة النقد، وينص قانون المعاملات المصرفية رقم (9) لعام 2010 على أن الحساب البنكي عقد ملزم لا يجوز تقييده تعسفيًا دون الرجوع لصاحبه أو توثيق الأسباب، وأن الإغلاق يجوز فقط في حال وجود شبهة جريمة مالية وفق قانون مكافحة غسل الأموال رقم (20) لعام 2015.

كما نظم قانون التجارة الفلسطيني أحكام وقف الحساب البنكي في المادتين (113 و 114) اللتين تنصان على أن الإغلاق يتم فقط بتعليمات من سلطة النقد.