«مقايضة ديون الدولة بأصول حكومية: جدل واسع حول مخاطرها وجدواها الاقتصادية على البنك المركزي»

«مقايضة ديون الدولة بأصول حكومية: جدل واسع حول مخاطرها وجدواها الاقتصادية على البنك المركزي»

أثار مقترح اقتصادي تم تداوله، نسب إلى رجل الأعمال والخبير الاقتصادي محمد هيكل، رئيس مجلس إدارة شركة كازيون القابضة لتجارة التجزئة، وشريك مؤسس في المجموعة المالية هيرميس، موجة واسعة من الجدل في الأوساط المصرفية والاقتصادية، حيث طرح تصورًا غير تقليدي لإعادة هيكلة ديون الدولة، يعتمد على نقل أصول مملوكة للحكومة إلى البنك المركزي مقابل تصفير المديونيات المقومة بالجنيه.

يقوم المقترح على إنشاء صندوق سيادي يتبع البنك المركزي، يضم محفظته شركات وعقارات وأراضي مملوكة لمختلف الجهات الحكومية والسيادية، على أن تقوم الموازنة العامة للدولة ببيع هذه الأصول للبنك المركزي، مما يؤدي إلى شطب الديون والفوائد المستحقة عليها، ووفقًا لهذا المقترح، يمتلك البنك المركزي الحصة الحاكمة في الصندوق، بينما تمتلك الجهات السيادية نسبًا أقل، على أن توجه عوائد الصندوق لتمويل المشروعات التنموية وتحقيق ما يعرف بـ«وحدة الموازنة» على مستوى الدولة.

استند المقترح إلى تجارب دولية سابقة، لا سيما في إسبانيا وإيطاليا واليونان، والتي لجأت إلى آليات قريبة من مقايضة الديون بالأصول خلال أزمات الديون السيادية، في محاولة لتخفيف الضغوط المالية وإنقاذ موازناتها العامة.

ترحيب نظري وتحذير عملي

في هذا السياق، قال الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، إن المقترح قابل للتطبيق من الناحية النظرية فقط، شريطة إدخال تعديلات جوهرية على القوانين المنظمة لعمل البنك المركزي، لكنه في المقابل يحمل مخاطر بالغة تمس استقرار العملة ودور البنك المركزي كجهة محايدة.

وأوضح الخبير المصرفي في تصريح لـ«العقارية»، أن النظم المصرفية الحديثة ترسم دورًا واضحًا للبنوك المركزية، يتمثل في إدارة السياسة النقدية، وضبط معدلات التضخم، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وليس إدارة الأصول التجارية أو الشركات الإنتاجية والخدمية، محذرًا من أن الجمع بين الدورين يخلق تضارب مصالح هيكلي.

تضارب مصالح واستقلالية على المحك

يرى الخبراء أن امتلاك البنك المركزي لشركات أو أصول إنتاجية يحوله من «رقيب» على القطاع المصرفي والمالي إلى «طرف فاعل» داخل السوق، وهو ما يخل بمبدأ الحياد، ويقوض استقلاليته التي تعتبر حجر الزاوية في أي نظام نقدي مستقر.

كما يُنظر إلى سداد ديون الحكومة عبر استحواذ البنك المركزي على أصولها باعتباره شكلًا من أشكال «التمويل النقدي للعجز»، وهي ممارسة تحظرها تشريعات العديد من البنوك المركزية حول العالم، لما تحمله من مخاطر تضخمية قد تؤدي إلى تآكل قيمة العملة وارتفاع الأسعار بصورة مفرطة.

كيف تعمل الآلية المقترحة؟

وفقًا للتصور المطروح، تمر عملية مقايضة الديون بالأصول عبر ثلاث مراحل رئيسية، تشمل نقل الملكية، مما يعني أن تتنازل الحكومة عن حصص في شركاتها وأصولها لصالح البنك المركزي، وشطب الديون، بمعنى أن يقوم البنك المركزي بإلغاء الديون المستحقة على الحكومة من دفاتره، بالإضافة إلى إدارة السيولة، بحيث يتحول البنك المركزي إلى الضامن الرئيسي للبنوك التجارية، مع الاعتماد على أرباح الشركات المنقولة كضمانة مالية.

مخاطر اقتصادية وتحفظات دولية

حذر الخبير المصرفي من أن تنفيذ هذا السيناريو دون وجود إنتاج حقيقي موازي قد يعيد الاقتصاد إلى دوامة التضخم المفرط، نتيجة زيادة المعروض النقدي دون غطاء إنتاجي كافٍ، كما أن البنوك المركزية، بحكم طبيعتها، لا تمتلك الخبرات التشغيلية لإدارة الشركات الصناعية أو الخدمية، مما قد ينعكس سلبًا على كفاءة تلك الكيانات وأدائها.

إلى جانب ذلك، قد تنظر المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لـ«المحاسبة الإبداعية» تهدف إلى إخفاء الحجم الحقيقي للدين العام، بدلًا من معالجته جذريًا.

تحذير من المساس بدور المركزي

يخلص الخبراء إلى أن الزج بالبنك المركزي في إدارة الأصول والأنشطة التجارية يمثل مخاطرة نقدية ومالية جسيمة، قد تفقده استقلاله وتجعله عمليًا تابعًا لوزارة المالية، وهو ما يتعارض مع دوره الأساسي في تحقيق استقرار الأسعار وحماية النظام المالي.