
في خضم النقاشات المتواصلة حول تعديل قانون الضمان الاجتماعي في الأردن، تبرز مسألة الرواتب التقاعدية المرتفعة كأحد أبرز الملفات التي تثير الحساسية وتؤثر بشكل مباشر على استدامة صندوق الضمان، فبينما يُفترض أن يرتكز النظام التأميني على مبادئ التكافل والعدالة بين جميع المشتركين، تشير المعطيات الحالية إلى وجود فجوة ملحوظة بين الرواتب التقاعدية العالية جدًا ومتوسط رواتب المتقاعدين الآخرين، الأمر الذي يستدعي مراجعة عميقة ومتوازنة.
جوهر الضمان الاجتماعي وتحديات الاستدامة
يقوم الضمان الاجتماعي، في صميم عمله، على معادلة مالية دقيقة ترتكز على تمويل الالتزامات المستقبلية من خلال الاشتراكات الحالية، وأي خلل في هذه المعادلة يؤثر بشكل مباشر على قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته طويلة الأمد، وفي هذا الإطار، فإن استمرار صرف رواتب تقاعدية مرتفعة للغاية، لا سيما تلك الناتجة عن ثغرات تشريعية سابقة أو فترات اشتراك قصيرة مقارنة بقيمة الراتب الممنوح، يثير تساؤلات مشروعة حول العدالة بين الأجيال وحول مدى كفاءة إدارة المخاطر الاكتوارية.
موازنة المصالح: حقوق المكتسبين والمصلحة الوطنية
لا يمكن التعاطي مع هذا الملف من منظور شعبوي أو انفعالي، فحقوق المشتركين الذين التزموا بالقانون يجب ألا يُمس بها تعسفًا، لكن في المقابل، تقتضي المصلحة الوطنية إعادة تقييم بعض الآليات التشغيلية، وخاصة ما يتعلق بسقف الأجر الخاضع للاقتطاع، وآلية احتساب الراتب التقاعدي، بالإضافة إلى الامتيازات الاستثنائية التي مُنحت في فترات زمنية محددة.
الهدف الحقيقي: العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية
إن الهدف الأسمى من هذه المراجعة ليس تقليص الحقوق، بل إعادة ضبط التوازن الدقيق بين مبدأ العدالة الاجتماعية ومبدأ الاستدامة المالية، فحين يحصل عدد محدود من المتقاعدين على رواتب تقاعدية عالية جدًا، مقارنة بمتوسط الدخل الوطني، في الوقت الذي يكافح فيه الصندوق لضمان زيادات عادلة لبقية المتقاعدين، فإن الإشكالية لا تكمن في قيمة الراتب بحد ذاتها، بل في هيكل النظام الذي أدى إلى هذا التفاوت الواضح.
أهمية الدراسات الاكتوارية والشفافية
يتوجب أن يستند أي إصلاح حقيقي وفعّال إلى دراسات اكتوارية شفافة، تُعرض نتائجها بوضوح للرأي العام، ليدرك المواطن الأردني حجم التحديات الحقيقية التي تواجه صندوق الضمان، فالإصلاح التشريعي لن يكتب له النجاح إلا إذا اقترن بالوضوح والمصارحة التامة.
دروس من التجارب الدولية وضرورة التحرك المبكر
لقد أثبتت التجارب الدولية أن أنظمة الضمان الاجتماعي التي تتجاهل مؤشرات الاختلال والتوازن في مراحلها المبكرة، غالبًا ما تجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات قاسية وصعبة لاحقًا، ومن هذا المنطلق، فإن إعادة النظر في ملف الرواتب التقاعدية المرتفعة، ضمن إطار قانوني عادل وتدريجي، قد يمثل خطوة حاسمة لحماية أموال المشتركين وضمان استمرارية الصندوق للأجيال القادمة.
رؤية إصلاحية شاملة لمستقبل الضمان
إن المطلوب اليوم ليس مجرد إجراءات آنية أو حلول مؤقتة، بل رؤية إصلاحية متكاملة توازن ببراعة بين حماية الحقوق المكتسبة للمشتركين، ومنع تشكل امتيازات غير مبررة في المستقبل، بالإضافة إلى تعزيز ثقة الأردنيين بمؤسستهم التأمينية الوطنية، فاستدامة الضمان الاجتماعي ليست مجرد خيار سياسي قابل للنقاش، بل هي ضرورة اقتصادية واجتماعية تمس صميم كل بيت أردني.
