
في قلب الدرعية التاريخية، وتحديدًا في حي الطريف العريق، يحتضن قصر الأمير ثنيان بن سعود بن محمد بن مقرن، الواقع في الجهة الجنوبية الغربية، فعاليات ثقافية وتاريخية آسرة تثري تجربة زوار برنامج “هل القصور”، أحد أبرز مبادرات موسم الدرعية 52/26. يعكس هذا القصر العريق مكانة العلم وتقديره العميق في الدولة السعودية الأولى، كما يسلط الضوء على شخصية الأمير ثنيان بن سعود الفذة. اشتهر الأمير برجاحة فكره وحكمته العميقة، ولم يثنه فقدانه للبصر عن شغفه الدائم بالعلم والمعرفة، فقد ضم قصره مكتبة ضخمة، وكان داعمًا رئيسيًا للعلماء والمتعلمين، حيث خصص أوقافًا من كتبه القيمة ليُنتفع بها. يقدم القصر اليوم لزواره تجربة حسية فريدة، تجمع بين المرئيات والأصوات، لتروي فصولًا من حياة الأمير ثنيان بن سعود، منذ نعومة أظافره، مرورًا بولعه بالعلم، وصولًا إلى إسهاماته الكبيرة في المشورة، وتحديه لفقدان بصره، وحتى صمود قصره بعد رحيله.
تجربة حسية غامرة في قصر الأمير ثنيان
تُصمم هذه التجربة الاستثنائية ببراعة لتوظيف تفاعل الضوء والصوت والظل، بهدف إبراز الإرث الخالد للأمير ثنيان بن سعود، الذي تجلى في علمه الغزير ومكتبته التي أضاءت دروب المعرفة لأجيال متعاقبة، مجسدةً بذلك تحولاته الإنسانية والفكرية العميقة. باستخدام أحدث تقنيات الإسقاط الضوئي، تتحول الغرف الأولى والثانية والثالثة إلى لوحات فنية تعرض صورًا ثابتة بتقنية الظل، تحكي قصة نشأة الأمير على طلب العلم، وتبرز حكمته ومشاوراته. في الغرفة الرابعة، ينتظر الزوار عمل تركيبي مؤثر يصور قصة فقدانه للبصر، بينما تحتضن الغرفة الخامسة عملًا تركيبيًا آخر يعبر عن صمود قصره العظيم. تتكامل هذه التجربة البصرية مع بيئة صوتية هادئة ومريحة، تبدأ بأصوات تلاوة آيات قرآنية، وهمس تقليب صفحات الكتب، وأصوات خافتة لمجالس الرجال، لتختتم بأصوات المدافع المهيبة التي ترمز لصمود القصر وعظمته.
لمحة تاريخية عن الأمير ثنيان بن سعود
يعود تاريخ قصر الأمير ثنيان بن سعود إلى كونه المقر السكني للأمير نفسه، الذي وُلد في الدرعية مع بدايات القرن الثاني عشر الهجري، الموافق للقرن الثامن عشر الميلادي. لقد عاصر الأمير تلك الحقبة المفصلية من تاريخ المنطقة، وشهد تأسيس الدولة السعودية الأولى وقيامها عام 1727م على يد أخيه الإمام محمد بن سعود، الذي قدم له الدعم اللامحدود بالرأي والمشورة خلال تلك المرحلة التأسيسية الحاسمة.
روعة العمارة النجدية في قصر الأمير ثنيان
تجسد عمارة قصر الأمير ثنيان بن سعود، الذي شُيد في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، مثالًا رائعًا للعمارة النجدية التقليدية. يتميز القصر بموقعه الاستراتيجي المطل على شعيب حبيكر، ويبرز كمنشأة مهيبة تجمع ببراعة بين المتانة الدفاعية وراحة السكن. يُعد هذا القصر من أضخم وأعظم قصور حي الطريف التاريخي، حيث تتجلى فيه قوة البناء وضخامته، وقد تم استخدام الحجر بشكل واسع في تشييد أجزاء كبيرة منه، خصوصًا في الجهة الجنوبية التي تشرف على الشعيب.
تفاصيل تصميم القصر
يتكون القصر من طابقين متكاملين، ويضم فناءً داخليًا واسعًا يوفر مساحة معيشية مفتوحة ومريحة. يتميز بتصميم فريد يشتمل على مدخلين رئيسيين، بالإضافة إلى مدخل فرعي يطل مباشرةً على الشعيب، مما يسهل الوصول إليه من جهات متعددة. في بنائه، اعتمد المهندسون والحرفيون على المواد المحلية المتوفرة، كاللبن والطين والحجارة، واستخدموا أخشاب الأثل لمتانتها، ويعتمد نظامه الهيكلي بشكل أساسي على الجدران الحاملة التي تمنحه قوة وثباتًا.
موسم الدرعية: بوابة الثقافة والتراث
يأتي موسم الدرعية 25/26 ليؤكد على المكانة التاريخية والثقافية للدرعية كمهد للدولة السعودية، وليقدم منصة حيوية ودائمة للتفاعل الثقافي الغني. يهدف هذا الموسم إلى تحقيق رؤية هيئة تطوير بوابة الدرعية الطموحة، ويتضمن مجموعة من البرامج والفعاليات التي تعكس القيم السعودية الأصيلة بأسلوب عصري وجذاب. تتناغم هذه المبادرات مع الأهداف الثقافية والسياحية الكبرى لرؤية السعودية 2030، التي تُعد ركيزة أساسية للتنمية المستدامة والتقدم الشامل للمملكة.
