
تزخر منطقة عسير بتنوّع نباتي يُعد من الأبرز على مستوى المملكة، ويبرز جماله الأخاذ بشكل لافت خلال فصل الشتاء، حين تتحول المرتفعات والسهول إلى لوحة طبيعية ثرية بأنواع متعددة من النباتات والأشجار البرية، وفي هذا الموسم، تزدهر اللوزيات مثل اللوز والخوخ والبرقوق في مرتفعات عسير، بينما تشهد مناطق تهامة نموًا نباتيًا واسعًا مع بدايات الربيع المبكر.
تنوع بيئي فريد وتجدد الشتاء
يسهم اختلاف الارتفاعات البارز وتنوع البيئات، الممتدة بين القمم الجبلية الشاهقة، والأودية الخصبة، وصولًا إلى السواحل الدافئة، في إظهار نباتات محلية مميزة وفريدة، مثل الطلح، والظَّرم، والطباق، والعرفج، وبالإضافة إلى ذلك، تنتشر نباتات برية مزهرة تستقطب النحل، الذي يستفيد منها في إنتاج العسل الفاخر وحبوب اللقاح الغنية، وتشهد تهامة عسير إزهارًا لأشجار استوائية مثل المانجو، مما يجعل الشتاء في عسير موسمًا حيويًا بامتياز لتجدد الغطاء النباتي، واستمرارية التوازن البيئي الدقيق الذي يميز المنطقة.
تحديات بيئية تهدد التنوع النباتي
وفي تصريح خاص لـ “أقرأ نيوز 24″، أوضح المختص في مجال البيئة، سعيد السهيمي، أن هذا الثراء الطبيعي المذهل يواجه تحديات بيئية متزايدة وخطيرة، يأتي في مقدمتها التناقص الملحوظ في معدلات الأمطار، وتراجع فترات الضباب، وهما عنصران حاسمان وأساسيان لدعم الحياة النباتية، خصوصًا في المرتفعات الجبلية، وقد انعكس هذا التراجع سلبًا بشكل مباشر على بعض الأنواع النباتية الأصيلة والفريدة، وعلى رأسها أشجار العرعر العريقة.
كما بيّن السهيمي أن عوامل أخرى كاحتطاب الأشجار الجائر، وجرف التربة بشكل مفرط، بالإضافة إلى ظهور التشققات والتعرية الأرضية، قد أسهمت جميعها في إضعاف النظام البيئي الهش للمنطقة، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن التمدد العمراني المتسارع، ومشاريع استصلاح الأراضي، قد أدت إلى فقدان مساحات شاسعة من الغطاء النباتي الطبيعي، يضاف إلى ذلك انتشار بعض الأنواع النباتية الغازية التي تنافس بشدة النباتات المحلية، مما يؤثر سلبًا على التوازن البيئي الدقيق للمنطقة.
وأفاد السهيمي بأن المنطقة شهدت خلال فترات سابقة موجات جفاف قاسية، زادت من الضغط على الغطاء النباتي، في وقت تراجع فيه الاعتماد التقليدي على المراعي الطبيعية مقارنة بالماضي، وذلك على الرغم من توفرها بكثرة في العديد من المواقع الجبلية والمرتفعات الخصبة، وقد انعكس هذا التراجع بدوره على الثروة الحيوانية، وعلى دورها البيئي الهام في النظام الطبيعي للمنطقة.
جهود بيئية واعدة لمواجهة التحديات
في المقابل لهذه التحديات البيئية الملحة، بدأت تظهر جهود بيئية واعدة ومثمرة، تتجسد في مشاريع طموحة للاستزراع النباتي، من أبرزها زراعة آلاف الشتلات من النباتات المحلية الأصيلة، كما تشمل هذه الجهود مبادرات مهمة لتقليم أشجار العرعر، بهدف معالجة ظاهرة الموت القِمّي التي تهددها، بالإضافة إلى أنشطة التشجير المكثفة وتنمية الغطاء النباتي التي تقودها جهات رسمية متخصصة، مثل المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي، ولا تقتصر هذه المبادرات على الجهات الرسمية فحسب، بل تمتد لتشمل مبادرات شبابية حيوية وجمعيات بيئية نشطة تعمل جاهدة للحفاظ على بيئة عسير.
أهمية تنظيم الرعي والشراكة المجتمعية
يُعد تنظيم الرعي خطوة محورية وضرورية للغاية، حيث يسهم بشكل فعال في حماية الغطاء النباتي من التدهور، ويحد من انتشار الحرائق المدمرة، خاصة في المناطق الجبلية الحساسة، ومع هذا، تتأكد أهمية إشراك مُلّاك الماشية في عمليات إدارة المراعي بصورة مستدامة، لضمان تحقيق التوازن بين الاستفادة من الموارد الطبيعية والمحافظة عليها للأجيال القادمة.
دعوة لبرامج حماية وتأهيل طويلة المدى
على الرغم من الاعتقاد السائد بأن عسير منطقة غنية بالغابات ولا تحتاج إلى تدخل خارجي، يؤكد المختصون أن المنطقة بحاجة ماسة إلى برامج حماية وتأهيل بيئي طويلة المدى وشاملة، ويشيرون إلى أن الجهود الحالية، وإن كانت في مراحلها الأولى، إلا أنها تمثل خطوة أولى مهمة وضرورية للحفاظ على هذا الإرث البيئي المتنوع، وضمان استدامته للأجيال القادمة، لتبقى عسير واحة خضراء مزدهرة.
