
تشهد صناديق التقاعد التابعة للنقابات المهنية في عمّان أزمة مالية متفاقمة، تُهدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه آلاف المنتسبين والمتقاعدين، وقد تفاقم هذا العجز على مدار سنوات بسبب خلل هيكلي في التوازن بين الاشتراكات والمصروفات، بالإضافة إلى تراجع العوائد الاستثمارية وتوسع غير ممول في الامتيازات، مما دفع بعض النقابات إلى تقليص المدفوعات أو تعليقها مؤقتًا، بينما عجزت نقابات أخرى عن صرف الرواتب بانتظام.
لمواجهة هذا الواقع المالي الصعب، بدأت العديد من النقابات في طرح حزمة من الحلول الإنقاذية الشاملة، التي تتضمن إصلاحات تشريعية وإدارية، وإعادة هيكلة الأصول، بالإضافة إلى توسيع قاعدة الاستثمارات، وقد استعانت بعض النقابات بمؤسسة الضمان الاجتماعي لإجراء دراسات اكتوارية دقيقة، بينما اتجهت نقابات أخرى نحو استقطاب فرص استثمارية جديدة وإعادة تقييم أصولها بهدف تعزيز الإيرادات، كما قدمت نقابات أخرى تعديلات جوهرية على أنظمة التقاعد، تستهدف تحقيق العدالة بين الأجيال وضمان استدامة الصناديق على المدى الطويل، إلى جانب تعزيز الشفافية والتواصل الفعال مع الهيئة العامة، وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات لا تُقدم علاجًا فوريًا، إلا أنها تعكس إدراكًا متزايدًا بأن تجاوز الأزمة يتطلب رؤية شاملة وطويلة الأمد، ترتكز على ضبط النفقات وتنمية الموارد، بما يضمن استمرار دور النقابات الحيوي كركيزة أساسية للحماية الاجتماعية في المملكة.
أزمة صندوق تقاعد نقابة الأطباء الأردنية: تحديات وحلول
في هذا السياق، تواجه نقابة الأطباء الأردنية أزمة مالية خانقة في صندوق التقاعد الخاص بها، حيث بلغ حجم العجز نحو 45 مليون دينار أردني في مركزي عمان والقدس، وقد أوضح الدكتور حازم القرالة، الناطق الإعلامي باسم النقابة، أن المجلس السابق كان قد استعان بمؤسسة الضمان الاجتماعي لإجراء دراسة اكتوارية شاملة، بهدف وضع حلول عملية ووقف النزيف المالي الحاد، يُذكر أن الصندوق يلتزم شهريًا بصرف رواتب تقاعدية لحوالي 6,600 طبيب متقاعد وورثتهم، وتصل متطلباته الشهرية إلى 1.3 مليون دينار، بينما تتراوح الإيرادات الشهرية بين 400 ألف و700 ألف دينار، مما يُحدث فجوة مالية شهرية تُقدر بنحو 600 ألف دينار، وتجد النقابة صعوبة بالغة في الإيفاء بكامل الرواتب، لذا يتمثل الحل المؤقت حاليًا في صرف نصف الراتب، مع استثناءات محدودة للحالات المرضية المزمنة والورثة الأكثر حاجة.
لتبسيط فهم الوضع المالي لصندوق تقاعد نقابة الأطباء، يمكن تلخيص أبرز الأرقام كالتالي:
| البيان | القيمة | ملاحظات |
|---|---|---|
| العجز الكلي في الصندوق (عمان والقدس) | 45 مليون دينار أردني | |
| عدد المستفيدين (متقاعدين وورثة) | حوالي 6,600 طبيب | |
| المتطلبات الشهرية للرواتب | 1.3 مليون دينار أردني | |
| الإيرادات الشهرية | 400 – 700 ألف دينار أردني | |
| الفجوة المالية الشهرية | حوالي 600 ألف دينار أردني | |
| قيمة اشتراك الطبيب (السابق) | 6 دنانير | مقابل راتب تقاعدي 180 دينارًا |
| العجز المتوقع (بدون تغيير) | 150 مليون دينار أردني | خلال سنوات قليلة |
| نسبة حل الأزمة بالتعديلات المقترحة | نحو 70% | |
| عدد الأطباء الجدد غير الملزمين بالانتساب | أكثر من 3,000 طبيب | لتخفيف الضغط على الصندوق |
| ارتفاع قيمة أصول النقابة | من 53 مليونًا إلى 75 مليون دينار | بعد إعادة هيكلة العقود |
أكد الدكتور القرالة أن النقابة، على الرغم من هذه الظروف الصعبة، قادرة على تجاوز الأزمة من خلال خطة إصلاحية مزدوجة، تشمل جانبًا إداريًا يهدف إلى تحقيق كفاءة أعلى في إدارة الصندوق، وجانبًا ماليًا يستند إلى تشكيل لجنة استثمارية مستقلة تضم نخبة من الأطباء والخبراء الاقتصاديين، لوضع سياسات استثمارية واضحة وتنويع مصادر التمويل، وتنتظر النقابة منذ أشهر موافقة الحكومة على تعديلات جوهرية رفعتها بشأن نظام صندوق التقاعد، لمعالجة العجز المستمر منذ عام 2017 وضمان انتظام صرف الرواتب، وتشمل الحلول المطروحة إجراءات تشريعية واستثمارية متكاملة، بالإضافة إلى تعزيز أصول النقابة ووقف التراجع المالي، وقد اتخذت النقابة قرارًا مرحليًا بصرف نصف راتب للمتقاعدين بدلاً من التوقف الكامل الذي شهدته سنوات سابقة، مع ضمان صرف الرواتب كاملة للفئات الأكثر هشاشة.
توقعت الدراسة الاكتوارية الأخيرة تحسنًا تدريجيًا في الإيرادات خلال أربع إلى خمس سنوات، مما سينعكس إيجابًا على انتظام أكبر في صرف الرواتب واستقرار مالي طويل الأمد، وأشار القرالة إلى أن المعادلة المالية التي بُني عليها الصندوق كانت غير واقعية منذ البداية، موضحًا أن اشتراك الطبيب البالغ 6 دنانير لا يمكن أن يقابله راتب تقاعدي يصل إلى 180 دينارًا، ومع تراكم أعداد المتقاعدين منذ عام 2015، بدأت الأزمة بالظهور بشكل حاد، وصولًا إلى توقف الصرف تمامًا في عام 2020، قبل أن يُعتمد خيار صرف نصف راتب كحل مؤقت، وأوضحت النقابة أن استمرار النهج الحالي سيؤدي إلى تضخم العجز ليصل إلى 150 مليون دينار خلال سنوات قليلة، مما دفعها لصياغة تعديلات قانونية حصلت على موافقة الهيئة العامة، وأُرسلت للحكومة لاعتمادها، مؤكدة أن هذه التعديلات ستعالج نحو 70% من الأزمة.
لقد استحدثت النقابة شريحة أساسية للأطباء الجدد غير الملزمين بالانتساب للصندوق، وهو ما خفف الضغط بعد أن تجاوز عدد المنتسبين لهذه الفئة 3 آلاف طبيب، وعلى صعيد الاستثمار، عملت النقابة على إعادة هيكلة عقود الأراضي والأصول، حيث ارتفعت قيمتها بشكل ملحوظ بعد تحسين التراخيص وإبرام عقود جديدة، وتُقدر الزيادة في قيمة الأصول من 53 مليونًا إلى 75 مليون دينار، ويُضاف إلى ذلك مشروع مستشفى قيد الإنشاء في دابوق، ستؤول ملكيته للنقابة بعد 20 عامًا، مما يُعزز من أصولها المستقبلية، وشدد الدكتور القرالة على أن هذه الإجراءات تمثل خطوة هامة في الاتجاه الصحيح، وأن الأزمة المالية ستبدأ بالتراجع تدريجيًا بعد اعتماد التعديلات الحكومية، مؤكدًا أن تراكمات المجالس السابقة لا يمكن تحميلها لمجلس واحد، بل هي نتيجة لسنوات طويلة من سوء المواءمة بين الاشتراكات والمنافع.
جهود نقابة المهندسين الأردنيين لإصلاح صندوق التقاعد
في سياق متصل، عقدت اللجنة التوجيهية لصندوق تقاعد نقابة المهندسين الأردنيين اجتماعًا مطولًا لمراجعة تقارير فرق العمل وخريطة الطريق الإصلاحية، وقد ترأس الاجتماع المهندس أحمد الفلاحات، نائب نقيب المهندسين، وتم خلاله مناقشة ملفات حيوية مثل إعادة تقييم الأصول، ومراجعة نظام التقاعد المعدل، واستقطاب فرص استثمارية جديدة، ومعالجة المشاريع المتعثرة، إضافة إلى تعزيز الشفافية الإعلامية والتواصل الفعال مع الهيئة العامة، وشددت اللجنة على أهمية الفصل بين إدارة التحديات الآنية وبناء حلول هيكلية طويلة الأمد، مؤكدة أن أي تعديلات يجب أن تستند إلى أسس اكتوارية دقيقة ودراسات محدثة، وأن حماية حقوق المتقاعدين والمشتركين تمثل أولوية قصوى، ضمن إطار يضمن استدامة الصندوق وعدالة توزيع الأعباء بين الأجيال المختلفة.
وبحسب المهندس أحمد علي البو، المدير التنفيذي للصندوق، فإن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية شملت توسعًا غير ممول في المنافع، وضعفًا في المواءمة بين الاشتراكات والاستحقاقات، بالإضافة إلى تراجع العوائد الاستثمارية، وأكد أن الخطة الإصلاحية تهدف إلى الانتقال من نموذج الصرف التقليدي إلى نموذج حديث يعتمد على إدارة الأصول والالتزامات، وحوكمة المخاطر، بما يحقق العدالة بين الأجيال ويحافظ على الحقوق ضمن القدرات الفعلية للصندوق.
إصلاحات مقترحة في صندوق تقاعد نقابة أطباء الأسنان
من جانبها، أكدت الدكتورة آية الأسمر، نقيبة أطباء الأسنان، أن النقابة تستعد لإقرار تعديلات جوهرية على أنظمتها الداخلية، في خطوة تهدف إلى معالجة التحديات التي يواجهها صندوق التقاعد، وضمان استدامته على المدى الطويل، وقد كشفت الدراسات أن العجز في الصندوق بدأ يتشكل منذ عام 2010، وتفاقم تدريجيًا حتى وصل إلى مستويات تُهدد مستقبل الصندوق، وتشير التقديرات إلى أن استمرار النظام الحالي قد يؤدي إلى نفاد موارده بحلول عام 2030، الأمر الذي استدعى تحركًا عاجلاً لحماية حقوق الأطباء وصون مستقبلهم المهني والاجتماعي.
تتضمن التعديلات المقترحة على نظام صندوق التقاعد السماح للطبيب بإبرام عقد عمل مع زميل له في العيادة، مما يفتح المجال أمام فرص تشغيل إضافية ويُعزز تنظيم المهنة وفق أسس عادلة وواضحة، وهذا بدوره سينعكس إيجابًا على بيئة العمل في قطاع طب الأسنان، وشددت الدكتورة الأسمر على أن هذه التعديلات تراعي الأوضاع المالية للأطباء، مؤكدة أن النقابة لن تفرض أي زيادات على رسوم الاشتراكات الشهرية الخاصة بالتقاعد، وذلك حفاظًا على استقرارهم الاقتصادي، ومراعاة للأجيال الجديدة من الممارسين الذين يواجهون تحديات متزايدة في بداية مسيرتهم المهنية.
