
يُعد الضمان الاجتماعي ركيزة أساسية لا غنى عنها في صون الحقوق الاجتماعية للأفراد، وله تأثير عميق ومباشر على مستوى معيشتهم، بالإضافة إلى دوره المحوري في دعم الدورة الاقتصادية بأكملها. ومع ذلك، تواجه أنظمة الضمان الاجتماعي اليوم تحديات مالية واقتصادية جمة، خاصة مع اقتراب نقطة التوازن بين الإيرادات والمدفوعات، وهو ما يفرض تهديدًا حقيقيًا على جوهر الضمان الاجتماعي وقدرته على الاستمرار كدرع أساسي للحماية الاجتماعية. هذا الوضع يستدعي مراجعة شاملة لهيكلة الضمان الاجتماعي وإعادة النظر في إطاره القانوني، لضمان استدامته وتحقيق العدالة المنشودة فيه.
في هذا السياق، تبرز أهمية إجراء تعديلات جوهرية على قانون الضمان الاجتماعي، ويمكن الاستناد إلى الأفكار التالية كمعالجات قانونية ومالية متوازنة، تسعى للتوفيق بين ضرورة استمرار الضمان الاجتماعي كفكرة للحماية الاجتماعية، وبين صون حقوق الأفراد والمحافظة على مكتسباتهم المالية. تُشكل هذه الأفكار في مجملها خارطة طريق واضحة لحل الإشكاليات والتحديات الجسيمة التي يواجهها نظام الضمان الاجتماعي، وهي كالتالي:
أولاً: تعزيز موارد المؤسسة بزيادة نسبة الاقتطاع
يجب زيادة النسبة المقتطعة من رواتب المشتركين، ليصل إجمالي الاقتطاع إلى 30%، وذلك بهدف تعزيز الموارد المالية للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وضمان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية تجاه المستفيدين بكفاءة وفعالية.
ثانيًا: منح حوافز مالية للمستمرين في الخدمة
ينبغي تقديم حوافز مالية واضحة تنعكس إيجابًا على رواتب المشتركين الذين يختارون الاستمرار في العمل حتى عمر 65 عامًا فما فوق، وذلك لتشجيعهم على تحقيق أقصى استفادة من نظام الضمان الاجتماعي. فكلما زادت مدة الخدمة، ارتفعت قيمة الراتب التقاعدي بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، عند وصول اشتراكات المشترك إلى 480 اشتراكًا، يبلغ ضمان الشيخوخة كراتب شهري نقطة التساوي أو التقارب مع الراتب الأساسي، مما يؤكد أن زيادة عدد الاشتراكات تترافق مع زيادة ملموسة في مرتب الشيخوخة.
ثالثًا: تخفيض معدل احتساب الضمان المبكر
يجب تخفيض معادلة احتساب الضمان المبكر بشكل حقيقي وفعال، لينعكس ذلك على تخفيض راتب الضمان المبكر بشكل ملموس، وبهذه الطريقة، يمكن تقليص شريحة المتقاعدين مبكرًا وتضييق نطاقها إلى أقصى حد، مما يشجع الموظفين على تأخير التقاعد وزيادة مدة اشتراكهم في الصندوق، ويعزز من استدامة النظام.
رابعًا: معالجة الزيادات في الراتب أثناء الخدمة
ينبغي أن تُعالج الزيادات التي تطرأ على الراتب أثناء الخدمة، بحيث تمكن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي من مواجهة التهرب التأميني والحد من الزيادة المرتفعة وغير المبررة التي قد تحدث عند اقتراب التقاعد. لذا، يجب وضع حد أقصى للزيادات الاستثنائية في الراتب خلال فترة الخدمة، بحيث لا تتجاوز نسبة الزيادة مثلاً 10% من الراتب الشهري، وهذا يضمن استقرار المركز المالي لمؤسسة الضمان الاجتماعي ويحقق العدالة بين جميع المستفيدين.
خامسًا: اعتماد آلية تدرج تصاعدي لاحتساب الراتب التقاعدي
يتعين اعتماد آلية تدرج تصاعدي في احتساب الراتب التقاعدي، بحيث تزداد قيمة الراتب بنسب متزايدة منذ دخول العامل لسوق العمل، وذلك وفقًا للزيادة السنوية في الأجور، وهذا يهدف للحيلولة دون حدوث زيادات كبيرة ومفاجئة عند اقتراب انتهاء الخدمة، مما يعزز مبادئ العدالة، ويحفز على الاستمرار في العمل والالتزام بنظام الضمان الاجتماعي طويل الأمد.
بناءً على ما تقدم، نؤكد على الضرورة القصوى لإجراء إصلاحات شاملة وعميقة لنظام الضمان الاجتماعي، بما يضمن استدامته وعدالته للجميع، ويحقق في الوقت نفسه الحماية الاجتماعية المثلى للأفراد.
