
لم تعد الصور التي تلتقطها بكاميرا هاتفك الذكي مجرد انعكاس مباشر لما تراه عيناك، ففي كل مرة تضغط فيها زر الالتقاط، تنطلق في الخلفية تريليونات العمليات الحسابية التي تنفذها خوارزميات متقدمة وتقنيات معالجة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بهدف استخلاص أفضل التفاصيل الممكنة وإنتاج صورة «مثالية». وبين تحسينات طفيفة في الإضاءة والألوان، وتعديلات قد تصل إلى تشويه ملامح الوجه، أصبحت الهواتف الحديثة شريكًا خفيًا وفعالًا في صياغة ذاكرتنا البصرية وتشكيل تصوراتنا المرئية.
ميزات التكبير المضللة وتأثير الذكاء الاصطناعي
تروج بعض الهواتف لميزات مثل «التكبير الفضائي 100x»، التي يُزعم أنها قادرة على تصوير الأجسام البعيدة كالقمر بوضوح مذهل، رغم أن العدسات لا تتجاوز حجم ظفر الإصبع، لكن هذه الدقة المزعومة قد تكون مضللة. ففي حادثة أثارت جدلاً واسعًا على موقع Reddit، وجه أحد المستخدمين هاتفه نحو صورة ضبابية متعمدة للقمر معروضة على شاشة حاسوبه، فالتقط الهاتف صورة واضحة ومفصلة مليئة بالفوهات والظلال التي لم تكن موجودة أصلًا في الصورة المعروضة. وعلى الرغم من أن الشركات تصف هذه التقنية بـ«تحسين التفاصيل»، إلا أن الواقع يشير إلى أنها تعتمد على ذكاء اصطناعي مُدرب على التعرف إلى القمر وإضافة تفاصيل تقديرية تُكمل الصورة عندما تعجز الكاميرا عن رصدها فعليًا.
التصوير الحسابي: ما وراء العدسة
في معظم الحالات، تهدف هذه المعالجات الرقمية إلى إنتاج صور جميلة ودقيقة، لكن بعض التحسينات قد تُغير المشهد جذريًا مقارنة بما تلتقطه العين المجردة. والأهم من ذلك، أن الخوارزميات تواصل عملها في الخلفية حتى عند إيقاف ميزات التحرير الظاهرة للمستخدم. يوضح زيف عطار، الرئيس التنفيذي لشركة «Glass Imaging» وأحد أعضاء الفريق الذي طوّر وضع «البورتريه» في هواتف آيفون، أن ما يحدث يُعرف باسم «التصوير الحسابي». ووفقًا لتقرير صادر عن هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، فإن الهاتف لا يكتفي بجمع الضوء الساقط على المستشعر، بل «يخمّن» كيف كان يمكن أن تبدو الصورة لو كانت الكاميرا أفضل، ثم يعيد بناءها وفقًا لهذا التقدير المعقد.
عند التقاط صورة واحدة، لا يسجل الهاتف لقطة فردية فحسب، بل يلتقط ما بين أربع إلى عشر صور في ظروف الإضاءة العادية، تُدمج هذه الصور لاحقًا في صورة نهائية يُفترض أنها تتفوق على أي لقطة منفردة. بعض هذه اللقطات يركز على تفاصيل محددة، بينما تُعالج لقطات أخرى مناطق مختلفة من المشهد قبل دمجها في نتيجة واحدة متكاملة. وتؤكد شركة «سامسونج» أن ميزاتها القائمة على الذكاء الاصطناعي صُممت لتحسين الجودة مع الحفاظ على أصالة الصورة، مشيرة إلى أن المستخدمين لديهم خيار تعطيل هذه الوظائف وفق تفضيلاتهم الشخصية.
تقنيات المعالجة الأساسية وراء كل صورة
تشمل المعالجات الأساسية للصور تقنيات متطورة مثل تقليل التشويش، التي تعمل على تنعيم الحبيبات العشوائية غير المرغوبة، وتصحيح الألوان بهدف جعل الصورة أقرب إلى الواقع المرئي للعين البشرية، إضافة إلى تقنية النطاق الديناميكي العالي (HDR)، التي تدمج لقطات متعددة تم التقاطها بظروف إضاءة مختلفة للحفاظ على التفاصيل الغنية في الظلال والمناطق الساطعة في آن واحد. وفي هواتف آيفون، تُستخدم ميزة «الدمج العميق» (Deep Fusion)، المعتمدة على شبكات عصبية تم تدريبها على ملايين الصور، ولا تقتصر هذه التقنية على تحسين عام للصورة فحسب، بل يمكنها التعرف إلى عناصر محددة داخلها ومعالجتها بشكل مختلف تمامًا، بل وحتى تعديل وحدات بكسل فردية استنادًا إلى أنماط معقدة سبق للذكاء الاصطناعي تعلمها.
تحسينات تتجاوز الواقع وتطبيقاتها المثيرة للجدل
في كثير من الحالات، تنجح الخوارزميات في تصحيح عيوب حقيقية ناتجة عن قصور في العدسات والمستشعرات الصغيرة، لكن بعض الميزات تتجاوز الدور التصحيحي البسيط إلى حد كبير. فعدد من الهواتف الموجهة للأسواق الآسيوية، وخاصة من علامات تجارية صينية، يأتي مزودًا بفلاتر تجميل مدعومة بالذكاء الاصطناعي ومفعّلة افتراضيًا، هذه الفلاتر تعمل على تنعيم البشرة، وإعادة تلوينها، وتعديل ملامح الوجه تلقائيًا، مما يُغير المظهر الأصلي بشكل ملحوظ. كما تتضمن بعض هواتف آبل في الأسواق الآسيوية ميزات ذكاء اصطناعي توليدي متقدمة ومفعّلة افتراضيًا، قد تقوم برسم شعرة إضافية على حاجب غير واضح، أو حتى تضيف عيونًا تنظر في اتجاهات عشوائية لأشخاص في خلفية بعيدة، مما يثير تساؤلات حول أصالة الصورة. في المقابل، لا توفر أجهزة آيفون فلاتر تجميل مدمجة في الأسواق الأمريكية، بينما قامت جوجل بتعطيل هذه الفلاتر افتراضيًا في أجهزة Pixel منذ عام 2020، مشيرة إلى آثارها المحتملة على الصحة النفسية للمستخدمين.
