
قبل عامين، حذرنا في مقالٍ نشرته عمون قائلين: ‘لا تلزمونا على الطور’، لم يكن ذلك تهديدًا، بل كان تنبيهًا صادقًا وقراءة عميقة لأوجاع تتراكم بصمت في المجتمع الأردني، أما اليوم، فقد تجاوزنا مرحلة التنبيه والتحذير، لأننا وصلنا فعلاً إلى الحافة، نقف على شفا الهاوية، والحكومة خلفنا، بينما الخطوة الفاصلة بين الثبات والسقوط، بين الصبر وردة الفعل التي لا تُحمد عقباها، باتت وشيكة.
الأزمة الاقتصادية وتداعياتها
لم تعد البطالة مجرد رقم يُتلى في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى واقعٍ مؤلمٍ يمثله شابٌ يطرق الأبواب كافة، ليعود بخيبة أملٍ متجددة، مما يجعله فريسة سهلة للجريمة بأشكالها المتعددة، ويهدده بالوقوع في فخ المتربصين بأمن أردننا الغالي ونسيجه الاجتماعي، كما أن الأسعار لم تعد مجرد موجة غلاء عابرة، بل غدت طاحونة لا تتوقف عن سحق ما تبقى من فتاتٍ في جيوب المواطنين، وفي ظل هذا الواقع، تتوالى إغلاقات المؤسسات والشركات، ويهرب المستثمرون الحاليون بحثًا عن بيئة أكثر استقرارًا، بينما لا يلوح في الأفق أي مستثمر جديد، ومع ذلك، لا يزال يُطلب من الناس المزيد من التحمل والصبر، وكأن جيب المواطن هو الخزينة الوحيدة التي لا يجوز أن تفرغ أبدًا، حتى لو كانت قد فرغت بالفعل.
مساسٌ بخط الأمان الاجتماعي
في خضم هذه الأوضاع المعيشية الصعبة، يطل علينا وزير العمل، لا ليقدم اعتذارًا أو ليطمئن الناس، بل ليصب الزيت على النار، متحدثًا عن تعديل وشيك لقانون الضمان الاجتماعي، وكأن لقمة المتقاعد باتت رفاهية يمكن التنازل عنها، أو أن الراتب الذي انتظره الإنسان عمرًا كاملاً من الجهد والعطاء أصبح فائضًا يمكن إعادة هندسته، أو حتى حقًا للورثة فقط، إننا نتساءل، بأي منطق يمكن المساس بخيط الأمان الأخير للموظف، وإلى هذا الحد أصبح جيب العامل والمتقاعد هو الحل الأسهل لسد العجز، ألهذا الحد يمكن اختبار أعصاب الناس وكأنها لا حدود لها، وإلى متى سيبقى القرار الحكومي بعيدًا عن وجع الشارع وهمومه، وإلى متى سنظل نسمع تنظيرًا لا يُطعم خبزًا حقيقيًا للمحتاجين، لماذا لا نرى خطوة واحدة تعيد الثقة المفقودة، بدلاً من سحب ما تبقى منها، كيف يمكن أن يُطلب من الناس التصفيق والتهليل، بينما هم يُدفعون دفعًا نحو الهاوية، وكيف يُراد لنا أن نصدق أن القادم سيكون أفضل، وكل يوم يمر يأخذ منا أكثر مما يعطي؟
الكرامة والأمان على المحك
لقد تجاوزت المسألة مجرد الجانب الاقتصادي، لتصبح قضية كرامة وطنية وشعورٍ غائبٍ بالأمان، فحين يتم المساس بالضمان الاجتماعي، فإنكم تمسون الإحساس بأن كل هذا التعب والعناء له ثمنٌ وتقدير في آخر المطاف، وحين يُستفز الناس في قوت يومهم ومستقبل شيخوختهم، فإنكم لا تعدلون قانونًا وحسب، بل تعبثون بعصب مجتمع كامل وتهددون استقراره، أقولها بوضوح لا يحتمل أي تأويل: لقد أوصلتمونا إلى حافة الطور، ولم يبقَ إلا أن نسقط من على هذه الحافة، وعندما تسقط الشعوب تحت وطأة الضيق والجوع، فإن المنطق يفرض علينا ألا نسأل عن هدوء أو عقلانية، فالجوع لا يفلسف، واليأس لا يجامل أبدًا.
دعوة عاجلة لدولة الرئيس
دولة الرئيس، إن كانت هناك معايدة حقيقية ننتظرها ونرتجيها، فليست في بيان جديد أو وعد مؤجل آخر، بل في قرارات واضحة وحاسمة تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، وتبدأ بإقالة وزير لم يحسن قراءة اللحظة الراهنة ومشاعر الناس، فالوطن لا يحتمل تجارب جديدة تُجرى على أعصاب مواطنيه، والرسالة قد وصلت بوضوح تام، فالناس لم تعد تحتمل المزيد، وتطالب بتحسين ملموس وواقعي في حياتها، لا مجرد حبر على ورق أو وعود تطلق من وراء الشاشات.
حفظ الله الأردن، ملكًا وشعبًا وأرضًا من كل سوء.
