«هل يُنهي التقاعد المبكر مسيرة فردية ليبدأ أزمة جماعية؟» التقاعد المبكر يفاقم أزمة البطالة ويثير تساؤلات حول استدامة سوق العمل بقلم عصام قضماني

«هل يُنهي التقاعد المبكر مسيرة فردية ليبدأ أزمة جماعية؟» التقاعد المبكر يفاقم أزمة البطالة ويثير تساؤلات حول استدامة سوق العمل بقلم عصام قضماني

باتت تفاصيل تعديلات وإصلاحات قانون الضمان الاجتماعي واضحة المعالم، وقد انطلق النقاش العام حولها بالفعل.

ستمر هذه التعديلات بالمسارات الدستورية المعتادة، ومن المتوقع أن يتصاعد الجدل حولها بشكل كبير عند وصولها إلى قبة البرلمان، حيث ستظهر كالعادة ضغوط ومصالح متشابكة، وستبرز آراء وازنة إلى جانب بعض التوجهات الشعبوية التي لا تمس جوهر المشكلة الحقيقية.

جوهر التحدي: استدامة الضمان الاجتماعي

إن جوهر المشكلة يكمن في التهديد الذي يواجه الضمان الاجتماعي، فقد يصل به الحال إلى مرحلة يصبح فيها عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته، وبدلاً من أن يكون مقرضاً للحكومة، قد يضطر للاقتراض منها بعد أن تستنفد عوائد استثمارات صندوقه، هذا السيناريو وارد الحدوث وإن كان بعد فترة طويلة، لكن كان لزاماً على أصحاب المسؤولية أن يمتلكوا رؤية أبعد من المدى القصير، خاصة وأننا نتحدث هنا عن مستقبل يتطلب تخطيطاً ودراسة معمقة.

الأهم هو المبادرة بوضع الحلول الجذرية وعدم ترحيلها، حتى وإن كانت بعض جوانبها قد لا ترضي شريحة أو فئة معينة، فالمنفعة العامة والوطنية يجب أن تكون لها الأولوية القصوى.

تأثير التقاعد المبكر: أرقام مقلقة

يكفي أن ندرك حجم المشكلة من خلال معرفة أن عدد المتقاعدين مبكراً وصل إلى 169,072 متقاعداً، وهذه الفئة تشكل ما يقارب 64% من إجمالي المتقاعدين، وتستحوذ وحدها على 61% من إجمالي فاتورة الرواتب التقاعدية.

الفئةالعددالنسبة من إجمالي المتقاعدينالنسبة من فاتورة الرواتب التقاعدية
المتقاعدون مبكراً169,07264%61%

هذا الواقع يعكس ثمن تأجيل الحلول، وثمن السخاء المفرط في تشجيع التقاعد المبكر، لكن استمرار هذا التوجه يعني أن ثلثي القوى العاملة في الأردن تتجه نحو البطالة عبر الحصول على تقاعد مبكر عند أول فرصة متاحة، وتتضح من نتائج الدراسات أن التقاعد المبكر يفرض ضغوطاً هائلة على موارد الضمان الاجتماعي، فمن يتقاعد مبكراً في سن 45 أو 50 عاماً سوف يحصل على رواتب لمدة قد تصل إلى ثلاثين سنة، بينما سيحتاج الضمان الاجتماعي إلى خمسة مشتركين عاملين لتغطية راتب كل متقاعد، وهو عدد يتراجع كلما مر الوقت، هذا الوضع لا يهدد المركز المالي للمؤسسة فحسب، بل يغري الكثيرين بالبطالة، ومع تضخم خزان البطالة، تتراجع أعداد المشتركين الفاعلين في النظام.

إغراءات التقاعد المبكر وتحدياته

تتجه أعداد كبيرة من الموظفين إلى التقاعد وهم في أوج إنتاجيتهم المهنية، وهؤلاء لا يلزمون بيوتهم بل يبحثون عن فرص عمل جديدة، وغالباً ما تفضلهم الشركات لعدم ترتيب أي اشتراكات جديدة لصالح الضمان الاجتماعي عليهم، إن قانون الضمان بوضعه الراهن يقدم إغراءات مالية واضحة لمن يتوقف عن العمل، والتقاعد المبكر في معظمه لا يعني التوقف الكامل عن العمل، بل يبحث المتقاعد عن عمل بعيداً عن أعين المؤسسة أو مستغلاً الثغرات التي يسمح بها القانون، علاوة على ذلك، هناك مشكلة “المعلولية الكاذبة” التي لم يتطرق إليها القانون وهي تتفاقم ككرة الثلج، بينما يسمح النظام بأن تتضاعف رواتب المستفيدين منها دون رقابة كافية.

الضمان الاجتماعي: مؤسسة تأمين لا صندوق حكومي

يجب أن ندرك أن مؤسسة الضمان الاجتماعي ليست دائرة حكومية تُخصص لها الخزينة مخصصات مالية، بل هي مؤسسة تأمين على الحياة، يتوجب إدارتها على أسس تجارية بحتة، وتسعى لتحقيق الأرباح والفوائض لاستثمارها وضمان استدامتها، بدلاً من أن تكون مهددة بالإفلاس بعد عدد معين من السنوات إذا كنا نتطلع إلى بناء “صندوق الأجيال” الذي يحمي مستقبل الوطن ومواطنيه.