وزيرة التخطيط بمعرض الكتاب تحدد مسارات السردية الوطنية للتنمية

وزيرة التخطيط بمعرض الكتاب تحدد مسارات السردية الوطنية للتنمية

استضاف معرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة بارزة لمناقشة “السردية الوطنية للتنمية الشاملة: السياسات الداعمة للنمو والتشغيل”، وذلك بحضور الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي. أدار هذه الندوة، التي نظمتها مؤسسة “نواة”، الدكتور عبد المنعم سعيد، المفكر السياسي ورئيس مجلس إدارة المؤسسة، وشهدت مشاركة الدكتور خالد عكاشة، المدير العام للمؤسسة، ولفيف من المفكرين، أساتذة الجامعات، وجمهور معرض الكتاب.

الحوار المجتمعي أساس السردية

استعرضت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي المحاور الرئيسية لـ”السردية الوطنية للتنمية الشاملة”، التي تم استكمالها في ديسمبر الماضي، مؤكدة أنها جاءت نتاجًا لحوار مجتمعي مكثف استمر لأكثر من ثلاثة أشهر، وشارك فيه أكثر من 120 خبيرًا اقتصاديًا، متخصصًا، ومفكرًا. وأشارت الدكتورة المشاط إلى أن هذا الحوار المجتمعي شمل أطيافًا واسعة من المجتمع، وأن النسخة الحالية للسردية تعكس جميع الآراء والمقترحات التي طُرحت خلاله، مع الإشارة إلى أن الإصدار الثاني من السردية سيشهد جلسات تعريفية متعددة في الفترة المقبلة. وأوضحت المشاط أن علم الاقتصاد يرتكز على معيار إدارة التوقعات المستقبلية، لذا جاءت السردية الوطنية الشاملة بهدف إدارة التوقعات حول مستقبل الاقتصاد المصري، لتعزيز المصداقية والشفافية بخصوص جهود وسياسات الدولة، وبالتالي تمكين مجتمع الأعمال والمواطنين من إدارة توقعاتهم وقراراتهم المستقبلية بشكل أفضل.

تكامل الرؤى والبرامج

لفتت الدكتورة المشاط إلى أن إعلان الأمم المتحدة عام 2015 عن أهداف التنمية المستدامة الـ 17 يمثل أهدافًا وطنية تسعى كل دولة لتحقيقها نحو عالم أفضل، ومصر كانت من الدول الرائدة في تبني هذه الأهداف، حيث أطلقت رؤية 2030 في عام 2016، والتي تم تحديثها في عام 2018. وأضافت أنه مع عام 2020، الذي كان حاسمًا على الصعيد العالمي وتراجعت فيه أهداف الأمم المتحدة بشكل ملحوظ متأثرًا بالوضع الاقتصادي في مختلف الدول، جاءت “السردية الوطنية للتنمية الشاملة” لتحقق التكامل بين رؤية 2030 وبرنامج عمل الحكومة، متماشية مع السياق الاقتصادي الراهن، ومراعية للجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة في تطوير البنية التحتية. وأوضحت أن المرجعية التشريعية أو القانونية للسردية تستند إلى قانوني المالية العامة الموحد وقانون التخطيط العام الصادرين عام 2022، اللذين ينصان على دور الوزارة المعنية بالتخطيط في رسم المنظومة المتكاملة للتخطيط التنموي، وتحديد الرؤية والاستراتيجيات ذات الصلة، ومتابعة تنفيذها على المستويات القومية، الإقليمية، والقطاعية، وربطها بسياسات الاقتصاد الكلي، مشيرة إلى أنه وفقًا للقانون، من المقرر أن تكون خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المقبلة خطة متوسطة المدى لأول مرة، مستندة إلى منهجية البرامج والأداء.

ربط الأداء التنموي بالمالي

أكدت الوزيرة أن الحكومة تسعى من خلال السردية الوطنية للتنمية الشاملة وبرنامجها التنفيذي إلى تحقيق ربط وثيق بين الأداء التنموي والأداء المالي، وذلك عبر موازنة البرامج والأداء. يتم هذا من خلال تبني مفهوم “التخطيط الاستراتيجي الشامل المبني على جودة السياسات”، كآلية أساسية لتطوير منظومة التخطيط على المستوى القومي، بما يضمن تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، مشيرة إلى أن السردية تتضمن أهدافًا رأسية لكل وزارة وجهة حكومية، تتمثل في آليات محددة لتحقيق مستهدفاتها، وفي الوقت ذاته تتضمن أهدافًا أفقية تشترك فيها جهات متعددة مثل تحقيق النمو الاقتصادي، ما يخلق تكاملًا بين مختلف الجهات. وأوضحت أن الإصدار الثاني من السردية يضم جميع القطاعات الخدمية ومستهدفاتها في الصحة، التعليم، والحماية الاجتماعية، وكلها مرصودة ضمن كافة البرامج والخطط ومستهدفات 2030، وتغطي جميع محافظات الجمهورية، حرصًا على تحقيق العدالة المكانية وجودة الحياة للمواطنين.

العدالة المكانية وتوطين التنمية

شددت الدكتورة المشاط على أن السردية الوطنية للتنمية الشاملة تولي العدالة المكانية، التخطيط الإقليمي، وتوطين التنمية أولوية قصوى، بهدف استغلال المميزات التنافسية لكل محافظة. كمثال، ذكرت الطفرة الكبيرة في صادرات المنسوجات المصرية بفضل انتشار مصانع الملابس الجاهزة في صعيد مصر، مما يجعل الخطط التنموية تراعي ميزة كل محافظة عند تحديد استثماراتها. وأشارت إلى رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، في التركيز على التنمية بالمحافظات، ومن أمثلة ذلك إنشاء تجمعات تنموية في سيناء تتضمن أنشطة زراعية وإنتاجية. كما لفتت إلى أهمية الاستثمارات الحكومية في تطوير الموانئ، الطرق، والبنية التحتية، التي دعمت إنشاء العديد من المصانع في محافظات صعيد مصر مثل سوهاج والمنيا، مؤكدة أن النموذج الاقتصادي الجديد الذي تتبناه الدولة حاليًا يستفيد من هذه الجهود السابقة في تطوير البنية التحتية، مع التركيز على التخطيط المكاني لمعالجة الفجوات التنموية.

حوكمة الاستثمارات العامة وتمكين القطاع الخاص

في سياق متصل، تناولت الدكتورة رانيا المشاط حوكمة الاستثمارات العامة، معتبرة إياها جزءًا أساسيًا من استقرار الاقتصاد الكلي في مصر، مشيرة إلى وضع سقف للإنفاق العام، ما أفسح المجال للقطاع الخاص. نتج عن ذلك أن الاستثمارات الخاصة تشكل حاليًا 65% من إجمالي الاستثمارات، وتهدف الحكومة إلى الوصول بها إلى أكثر من 70% بحلول عام 2030. وأشارت المشاط إلى أن قطاعات الصناعة، السياحة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تقود النمو في الفترة الماضية، وأن القطاع الخاص يقود قطاع الصناعة، كما يقود 98% من قطاع السياحة، ويقود أيضًا الصادرات الخاصة بقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وغيرها من الصناعات المغذية للعديد من القطاعات.

سياسات دعم القطاع الخاص

تطرقت الوزيرة إلى السياسات الداعمة للحياد التنافسي، ومنها السياسة الحكومية الأخيرة المتعلقة بقواعد الإعفاء الضريبي وإلغاء الإعفاءات التي كانت تتمتع بها العديد من الجهات الحكومية. في هذا الصدد، تنفذ الحكومة إجراءات متعددة عبر البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية لتحسين بيئة الأعمال، وضمان الحياد التنافسي، وتمكين القطاع الخاص، منوهة بجهود الدولة المصرية خلال الأعوام السابقة في زيادة الرقعة الإنتاجية لمصر، وتعزيز ممرات التنمية، واستحداث العديد من المناطق الصناعية والسكنية.

مساهمة مصر في سلاسل الإمداد الدولية

حول مساهمة مصر في سلاسل الإمداد العالمية، أشارت المشاط إلى التطور الكبير في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تضم العديد من الشركات والمصانع في مختلف الصناعات، مما يعزز تواجد مصر في سلاسل الإمداد الدولية. وأكدت على الإقبال الكبير والاستثمارات المتنوعة في قطاع التكنولوجيا والسيارات وغيرها بالمنطقة، وفي هذا السياق، تتضمن السردية الوطنية فصلًا خاصًا عن الصناعة وخطة النهوض بها، مع التركيز على 28 صناعة ذات أولوية تتمتع فيها مصر بميزات تنافسية، وعليها طلب دولي كبير يعزز من قدرة الصادرات المصرية على النفاذ للأسواق. وتطرقت للحديث عن جهود الاستدامة المالية، حيث تتضمن السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية جزءًا خاصًا لخطة الدولة في إدارة الدين، ومستهدفًا للدين حتى عام 2030، مع إجراءات واضحة للوصول إلى هذا المستهدف، ما يؤكد حرص الدولة على الإفصاح. وحثت الحاضرين في الندوة على الاطلاع على السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية حيث تتضمن الإجابة على جميع الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد المصري.

التعاون الدولي والشراكات

أكدت الدكتورة رانيا المشاط أن التعاون الدولي يعتبر ركيزة أساسية لمصر، مشيرة إلى إعداد كتاب عن “الدبلوماسية الاقتصادية” بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتم إطلاقه من كلية لندن للاقتصاد عام 2021، لتوثيق تجربة مصر في مجال التعاون الدولي والتمويل الإنمائي. كما تتضمن السردية فصلًا كاملًا عن التعاون الدولي والشراكات، لافتة إلى اهتمام مصر بالعلاقات الأفريقية، ونوهت بمسؤولية وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي عن 58 لجنة مشتركة بين مصر والعديد من الدول، وهذه اللجان تفتح آفاقًا جديدة للإنتاج، سلاسل الإمداد، التجارة، والاستثمار. وتتضمن السردية معلومات مفصلة عن أوجه التعاون مع كل دولة في إطار التعاون الدولي والشراكات.

حرصت الدكتورة رانيا المشاط على التفاعل مع الحضور والرد على أسئلتهم. وفيما يتعلق بسؤال أحد الحضور حول العدالة الاجتماعية وزيادة دخول المواطنين، أكدت أن الدولة تعمل على تعزيز التحول في هيكل الاقتصاد المصري وزيادة الإنتاجية، بهدف زيادة الموارد والحيز المالي الذي يمكنها من زيادة الإنفاق على الصحة، التعليم، وتحسين حياة المواطنين. وتابعت قائلة: “شعار السردية الوطنية للتنمية الشاملة هو “نقلة اقتصادية.. تحسين حياة المواطنين” كما أن التنمية البشرية والسياسات التي تتبعها الدولة لتحسين حياة المواطن تتصدر الفصل الأول بالسردية، وتتضمن برامج للاستثمار في رأس المال البشري في مختلف المراحل العمرية، كركيزة لدفع النمو الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية”. ونوهت بأن الإصدار الثاني للسردية يتضمن جزءًا رئيسيًا عن الأمن القومي، ضمن الفصل الخاص بالتعاون الدولي والشراكات، لافتةً إلى إطلاق الإصدار الخامس عشر من التعداد الاقتصادي لمصر خلال العام الحالي، حيث كانت مصر سبّاقة في هذا المجال، وفقًا لما نشرته أقرأ نيوز 24.